أكد مقال نشره المجلس الأطلسي أن الأمم المتحدة بحاجة إلى موقف أكثر جرأة وحسما في ليبيا، لتخطي الصفقات الموقتة بين النخب السياسية، والدفع صوب إجراء الانتخابات الوطنية. غير أنه أشار إلى أن الحالة الهشة على المسرح العالمي تجعل تحقيق تقدم سريع في ليبيا أمرا غير مؤكد.
وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط بجامعة مدريد المستقلة، ألفارو دي أرغيليس، إن استقالة المبعوث الأممي الأخير إلى ليبيا عبدالله باتيلي، أبريل الماضي، أكدت حاجة بعثة الدعم الأممية إلى استراتيجية جديدة، وأن تتخطى التركيز على تحقيق التوافق الوطني، والضغط عوضا عن ذلك من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإنشاء آلية للمحاسبة.
كما أكد المقال، المنشور أمس الثلاثاء، أنه يجب ألا تدفع الأمم المتحدة صوب تشكيل هيئة انتقالية ثالثة في ليبيا، ومنح موافقتها لمجموعة جديدة من النخب السياسية تسهم في ترسيخ الجمود السياسي.
يأتي ذلك في الوقت الذي خلقت فيه الصراعات على المسرح الدولي، ولا سيما في أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على غزة، الاعتقاد بأن السياسات الدولية باتت تحكمها «قوة مطلقة، وأن الأمم المتحدة لم تعد لاعبا ذا صلة». وتمثل ليبيا، حيث جرى انتهاك القواعد الدولي بشكل دوري خلال العقد الماضي، أحد الأمثلة على التفكك المستمر للنظام العالمي، حسب المقال.
الأمم المتحدة تلعب دورا رئيسيا في تشكيل المناخ السياسي
ورأى الباحث أن الدور الرئيسي الذي لعبته الأمم المتحدة في تشكيل المناخ السياسي بليبيا خلال السنوات الماضية لم يكن دورا إيجابيا في كثير من الأحيان، مشيرا إلى سلسلة طويلة من النجاحات والفشل سجلتها المنظمة الدولية في البلاد، بدءا من تفويض التدخل العسكري بالعام 2011 إلى إنشاء حكومتي «الوفاق الوطني» و«الوحدة الوطنية الموقتة».
كما لفت إلى أن الدعم الدولي الذي تحظى به جميع الجهات الفاعلة في ليبيا أجبر المبعوثين الأممين على الحذر، وجعلهم في بعض الأحيان ضحية خطابهم، بل دفعهم لتجاهل السلوكيات العدائية، والتركيز على المصالحة بين المنافسين الذين لديهم بالفعل تفاهمات ضمنية حول كيفية تقاسم ثروات ليبيا.
وأضاف ألفارو: «تجلى هذا بشكل أوضح في حالة خليفة حفتر والقوات التابعة له، التي كان استيلاؤها على السلطة في العام 2014 حاسماً في انهيار المرحلة الانتقالية. يسافر موظفو الأمم المتحدة بشكل دوري إلى مقر حفتر في بنغازي، على الرغم من الطبيعة غير النظامية لقواته، وارتباطها بجرائم حرب وتورطها في انتهاكات حقوق الإنسان».
وتابع: «كما أن شن حفتر هجومه على طرابلس العام 2019 في اليوم نفسه الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في زيارة إلى ليبيا هو دليل على ازدرائه المنظمة الأممية».
وعلى الرغم من تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، لفت المقال إلى أن «الأمم المتحدة لم تكن قادرة على دحض المزاعم بأن الدبيبة شق طريقه إلى السلطة عن طريق الرشوة». وتلى ذلك سحب مجلس النواب اعترافه بحكومة الدبيبة، مما أعاد البلاد إلى حالة الجمود السابقة.
- جريدة «الوسط»: حراك دبلوماسي أمني تقوده أطراف الخارج الفاعلة
- «وسط الخبر» يناقش: ليبيا ورقة ضغط تركية أم هدف استراتيجي؟
- الجزائر تؤكد رفضها أي تدخل خارجي في المشهد الليبي
وبمرور الوقت، قال المقال: «بات من الواضح أن لا الدبيبة ولا مجلس النواب يشعران بالحافز لإجراء الانتخابات في موعدها، الذي كان مقررا في العام 2021. ومن المثير للدهشة أن باتيلي كان يعمل، قبل استقالته، على تشكيل حكومة انتقالية أخرى، متجاهلاً تطلعات السكان، والجدول الزمني للانتخابات الذي اقترحته الأمم المتحدة، والذي انتهت صلاحيته بالفعل».
غياب التوافق الدولي بشأن ليبيا
ويرتبط الوضع الراهن في ليبيا بالتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في العام 2011 بقرار رقم 1973 من مجلس الأمن، حيث فوضت الأمم المتحدة المجتمع الدولي في فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، لحماية المدنيين من جرائم حرب محتملة.
ومنذ وقتها، تدهور الوضع الداخلي بشكل سريع، مع غياب الإجماع داخل مجلس الأمن والمجتمع الدولي بشأن ليبيا حتى الآن. كما أن الافتقار إلى آلية لتنفيذ حظر السلاح المفروض على ليبيا يحمل جزءا من مسؤولية الوضع الأمني الراهن أكثر من عمليات النهب التي طالت ترسانة الأسلحة لنظام القذافي.
ولعبت الانقسامات بين أعضاء مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، والمنافسة بين تركيا والإمارات في أعقاب الربيع العربي، وعدم اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، دورا في استمرار التدفق المستمر للأسلحة إلى داخل ليبيا.
وتفصل التقارير التسعة الصادرة عن لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة الانتهاكات المستمرة التي تشير بشكل مباشر، من بين أمور أخرى، إلى مسؤولية روسيا. وعلى الرغم من أن قرار حظر السلاح تضمن بندا واضحا يحظر توفير أفراد مرتزقة مسلحين، فإن ليبيا أصبحت إحدى القواعد الرئيسية لعمليات مجموعة «فاغنر» الروسية التي باتت جزءا من «الفيلق الأفريقي».
نقاط ضعف الاتفاق السياسي الذي رعته الأمم المتحدة
وعلى الرغم من أن توقيع اتفاق الصخيرات السياسي، وما تبعه من إنشاء حكومة الوفاق الوطني بالعام 2015، كان أول إنجازات بعثة الدعم الأممية، فإن الاتفاق لم يحقق نجاحا يذكر باستثناء الإشارة إلى المجتمع الدولي حول من يملك السلطة الشرعية في ليبيا. ويمكن أن يعزى هذا الفشل بدرجة كبيرة إلى التدخل الأجنبي.
ويرى المقال أن أبرز نقاط ضعف الاتفاق السياسي الذي رعته الأمم المتحدة هو أنه منح الأولوية لإنهاء الانقسام السياسي على حساب إصلاح القطاعات القانونية والاقتصادية والأمنية، مما جعل «حكومة الوفاق» معتمدة بشكل كبير على «حسن نية» التشكيلات المسلحة، مع استمرار تدفق العملات المزورة إلى اليوم. كما أن بعثة الدعم الأممية لم تدفع بقوة من أجل صياغة نص دستوري نهائي.
في حين اعتمدت استراتيجية بعثة الأمم المتحدة على إدراج جميع الأطراف السياسية الرئيسية في إطار الاتفاق السياسي، وهو ما أدى إلى تحجر المؤسسات ذات الشرعية الشعبية الضئيلة، بما في ذلك مجلس النواب، الذي جرى انتخابه قبل عقد من الزمن بنسبة إقبال من الناخبين بلغت 18%.
تعليقات