Atwasat

العلاقات «الليبية ــ البريطانية» في وثائق الأرشيف الإنجليزي

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 01 سبتمبر 2023, 07:35 صباحا

في سياق محاضرة ألقاها بالمركز الليبي للدراسات والمحفوظات التاريخية، الأربعاء، قال الباحث والمؤرخ التونسي الدكتور عبدالمجيد الجمل «إن الأرشيف هو بمثابة الذاكرة الجمعية، فمن خلاله ندرك خلفيات مواقف الدول وأسلوبها في التعامل». اللقاء أداره الباحث علي الهازل، وتناول العلاقات الليبية - البريطانية من خلال مصادر الأرشيف الإنجليزية.

BCD Ad BCD Ad

الجمل عدَّد سياقات اهتمامه بالتاريخ الليبي، وعلاقته ببريطانيا خاصة ملاحظته في التاريخ الليبي الحديث وهو أهمية العلاقات الدولية في تطور الأهداف، بمعنى أن هناك محطات كبرى في التاريخ الليبي كان فيها العامل الدولي عنصراً حاسماً في تحولاتها.

وقدم الجمل مثالاً على ذلك في معاهدة «أوشي لوزان» التي تخلت فيها الإمبراطورية العثمانية عن ليبيا؛ إذ كانت مدفوعة بعامل دولي. أيضاً الحرب العالمية الثانية؛ حيث كان العامل الدولي في خلفية طرد الإيطاليين من ليبيا على يد الجيش الثامن البريطاني.

- للاطلاع على العدد 406 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وفيما يتعلق باستقلال ليبيا فقد لعبت الأمم المتحدة دوراً مهماً وبارزاً وهنا يسوق عبارات دونها أحد الكتَّاب الفرنسيين في مذكراته تقول «تلعب الأمم المتحدة ولأول مرة دوراً مهماً في العلاقات الدولية وفي مقاومة الاستعمار في ليبيا». واعتبر الجمل أن سقوط النظام في العام 2011 كان العامل الدولي بشهادة هيلاري كلينتون بقولها «ما جرنا للحرب في ليبيا هو فرنسا».

هذه المحطات ملامح للتناقضات بين القوى الإمبريالية التي فرضت على القوى الفاعلة في المشهد الدولي تخليها عن ليبيا التي كانت من أولى البلدان المتحصلة على استقلالها، حتى إن الفرنسيين والإيطالييين يحاولون في كل مرة العودة إلى هذا البلد على طريقة الخروج من الباب والعودة من النافدة.

مقارنات تاريخية
وفي السياق ذاته، أوضح المحاضر كيف خضعت ليبيا للهيمنة الاستعمارية المباشرة من 1830 إلى 1911، متسائلاً: لماذا تأخرت ليبيا في الخضوع للاستعمار؟ كذلك الحال بالنسبة لتونس مقارنة بالجزائر حيث تأخرت الأولى ما يقارب نصف القرن، والسبب في ذلك العلاقات الدولية التي كان لها أثر مميز خاصة السياسة البريطانية في الفترة بين 1830 حتى سنة 1876 بتبنيها معادلة المحافظة على الوضع الراهن، لذلك كانت ضد تفكيك الإمبراطورية العثمانية، وفي زمن لاحق لعبت دوراً آخر في محافظة هذه الدول على استقلالها.

ومن ضمن الأسباب التي جعلت بريطانيا تنتهج هذه السياسة أن من يحكمونها كانوا من أنصار بريطانيا الصغيرة نقلا عن أحد رواد هذه المدرسة بقوله «إن الإمبراطورية حالياً تعتبر حملاً ثقيلاً ويمكننا المحافظة على مصالحنا عن طريق المحايدة»، ولا ينسى الجمل الإشارة إلى العامل الخارجي في التذكير بمندوب هايتي وإسقاطه لمشروع «بيفن سفورزا» عبر التصويت ضد مصلحة بلاده.

ومن أسباب اهتمام المحاضر بالعلاقات بين السنوسية وإنجلترا قراءة تاريخ ليبيا في إطار المقارنة، والمقصود هو العلاقة التي جمعت بين إنجلترا والزعامات التقليدية منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، فمثلا المصلح المصري محمد عبده رفض ثورة عرابي بقوله «لولا الاستعمار الإنجليزي لما تمتعنا بهذه الحرية»، وفي المقابل السنوسيون كانت مواقفهم تتماشي مع مواقف الزعامات في مصر، حتى إن المخابرات الفرنسية تقول إن «الطهطاوي يقوم بالدعاية لصالح إنجلترا، وبعد الحرب العالمية الثانية كل الزعامات التقليدية تواجدت بمصر بمن في ذلك عبدالكريم الخطابي».

بمعنى أن الزعامات التقليدية كانت لها علاقات خصوصية ببريطانيا مثل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي بتونس، والملك إدريس السنوسي من ليبيا، وعبدالكريم الخطابي من المغرب.

مفهوم الوطنية
ومن جانب آخر يطرح هذا التحليل السؤال عن معنى ومفهوم الوطنية، مجيباً بأن «كل من قاوم الاستعمار سواء في مقال صحفي أو حمل السلاح أو بطريقة دبلوماسية يعتبر مقاوماً»، ويشير المحاضر إلى كون ليبيا تعج بالزعامات التي تناساها التاريخ أو تناساها التاريخ الرسمي. وقدم نضالها دليلاً على تعريفه المذكور.

وعلى سبيل سرد المواقف والتأثيرات الدولية يذكر الجمل شخصية أحمد الشريف وتحالفه مع بريطانيا، عندما جاءت القوات الفرنسية في العام 1902 لاحتلال الكفرة ومطالبته الإنجليز بالتدخل لإبعاد الفرنسيين، بعد ذلك تعرض أحمد الشريف إلى ضغط ألماني وعثماني دفعه بقوة إلى التحالف معهم وفي تقدير المحاضر أن ذلك أضر بالحركة الوطنية الليبية. ويرجع الجمل للتذكير بما جاء في وثيقة نشرتها «التايمز» تتحدث بكثافة عن الحركة السنوسية وعلاقتها بإنجلترا. يقابله في الضفة الأخرى وصف الألمان القائل إن (الله بعث السنوسي ليكون حامي الإسلام والمسلمين، وهو نفس الخطاب الذي وجهه السلطان العثماني لأحمد الشريف)، مضيفاً إن أحمد الشريف كان متردداً ويعتبر أن العدو الرئيسي هو إيطاليا وأن إنجلترا وفرنسا أهداف ثانوية، وقد طالبتهم إنجلترا بالوقوف على حياد ليكون مصير ليبيا مآلاً آخر.

- للاطلاع على العدد 406 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وقدم الجمل وثائق ينص فحواها على طلب الملك إدريس السنوسي من الشريف الانسحاب من الحرب والوقوف على الحياد، مشيراً إلى أن الملك إدريس كانت له قدرة استشراف تطورات العلاقات الدولية، وتضيف الوثيقة في حديث موجه من الملك إلى الشريف: لا يمكننا إبرام معاهدة مع الطليان والإنجليز دون الرجوع إليك، وقد أصبحت برقة والمناطق المجاورة لها تعاني من المجاعة ولن نستطيع توفير احتياجاتكم من الأسلحة والجمال والأرز، وبالتالي الوضعية كانت كارثية بالنسبة للحركة السنوسية والوطنية بشكل عام.

رؤية مختلفة
ويصل المحاضر في هذا السياق للاستنتاج بأن الإنجليز كانت لهم رؤية مختلفة عن الفرنسيين في التعامل مع الزعامات الوطنية، فعلى سبيل المثال عندما فر الشيخ عبدالعزيز الثعالبي من تونس أواخر العشرينات من القرن الماضي، ذهب إلى المستعمرات الإنجليزية ووجد الدعم المالي من الإنجليز، لذلك كان موقف الثعالبي لا يختلف عن موقف عبدالعزيز السنوسي في الحرب العالمية الثانية.

هذه الوثائق رغم كونها أجنبية لكنها تقدم معلومات مهمة عن خلفيات مواقف إدريس السنوسي على خلاف ما يصوره البعض من أن ارتباطاته لا تتعدى التعامل مع إنجلترا، فقد كان مناضلاً لكن بطريقة دبلوماسية، صحيح أنه في عشرينات القرن الماضي ذهب إلى مصر ومنحه الإنجليز اللجوء السياسي لتوقعهم الاصطدام مع الإيطاليين لاحقاً لذلك قبيل الحرب العالمية الثانية بدأت الاتصالات به وبدوره أي الملك إدريس تواصل مع كل من فرنسا وإنجلترا، والهدف الحفاظ على النسيج الليبي وتجنيبه ويلات الصراع.

وبرؤية اليوم نرى أن الزعامات الوطنية الليبية كانت لها قراءة ناضجة للأحداث الأمر الذي عجل باستقلال ليبيا قبل استقلال تونس والجزائر وغيرهما من الدول، فالليبيون، بحسب تعبيره، استغلوا التناقضات بين الدول الإمبريالية، بطريقة ذكية. ودعا الدكتور عبدالمجيد الجمل إلى قراءة تاريخ بلد المغرب من الناحية الموضوعية لا الأيديولوجية، لكي نتمكن من الحصول على مقاربة صحيحة للأحداث.

ويأتي الجمل على ذكر فروق أخرى بين المدرسة الإنجليزية والفرنسية في تعاملهما مع البلدان المستعمرة بقوله «الإنجليز لا يدعون إلى التجنيس في كل الدول التي استعمروها، ولم يقع استعمار ثقافي فقد حافظوا على لغتك وخصوصيتك، واعتمدوا على الأعيان في تسيير مستعمراتهم، وتركوا مؤسسات أينما ذهبوا، فمصر تحصلت على دستور سنة 1922، وتركت للهند مسودة دستور جرت صياغتها، كذلك الدستور الليبي إبان الاستقلال أسهمت فيه إنجلترا، كما كان هناك أثناء الاستعمار الإنجليزي تعددية بليبيا».

محاضرة في المركز الليبي للدراسات والمحفوظات التاريخية عن ليبيا في وثائق الأرشيف الإنجليزي، 30 أغسطس 2023، (الإنترنت)
محاضرة في المركز الليبي للدراسات والمحفوظات التاريخية عن ليبيا في وثائق الأرشيف الإنجليزي، 30 أغسطس 2023، (الإنترنت)
محاضرة في المركز الليبي للدراسات والمحفوظات التاريخية عن ليبيا في وثائق الأرشيف الإنجليزي، 30 أغسطس 2023، (الإنترنت)
محاضرة في المركز الليبي للدراسات والمحفوظات التاريخية عن ليبيا في وثائق الأرشيف الإنجليزي، 30 أغسطس 2023، (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
صيانة خطوط الصرف الصحي في سوكنة
صيانة خطوط الصرف الصحي في سوكنة
«حكومة الوحدة» تجدد إدانتها «الاعتداءات الإيرانية» على دول عربية
«حكومة الوحدة» تجدد إدانتها «الاعتداءات الإيرانية» على دول عربية
المعهد الوطني للإدارة يختتم دورة تدريبية في مجال نظام الرقابة الداخلية
المعهد الوطني للإدارة يختتم دورة تدريبية في مجال نظام الرقابة ...
العظمى 42 درجة.. تنبيه جوي: ارتفاع درجات الحرارة على الشمال الغربي غدا
العظمى 42 درجة.. تنبيه جوي: ارتفاع درجات الحرارة على الشمال ...
«الكهرباء»: قرب إعادة تشغيل الوحدة الغازية السادسة بمحطة الزويتينة
«الكهرباء»: قرب إعادة تشغيل الوحدة الغازية السادسة بمحطة ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم