سلطت جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على انقسام داخل مراكز السلطة في إيران بدا جليًا في جنازة المرشد الأعلى الراحل، آية الله علي خامنئي، بين تيار يدعو إلى مواصلة الحرب مع الولايات المتحدة و«الثأر»، وتيار آخر يفضل التفاوض لإنهاء العمليات القتالية.
ولفتت الجريدة، في تقرير نشرته أمس الأحد، إلى انتشار الأعلام الحمراء في تشييع المرشد الأسبوع الماضي، والتي تعد رمزا شيعيا للثأر، حيث اعتبر محللون انتشارها الواسع بين المشيعين رسالة واضحة تدعو إلى مواصلة الحرب مع الولايات المتحدة.
وقالت إن «هذا الموقف يعكس توجه التيار الأكثر تشددا داخل إيران، الذي يسعى إلى الحفاظ على نهج المواجهة مع واشنطن المستمر منذ 47 عاما». ويرى محللون أن «هذه الرموز تعكس أيضا احتدام التنافس على النفوذ داخل النظام الإيراني، في ظل حالة من السيولة السياسية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، وما أسفرت عنه من مقتل عدد من كبار قادة الدولة».
التيار المتشدد
تعليقا، قال أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة تينيسي، سعيد كلكار، إن «المتشددين يحاولون استغلال أجواء الحداد، والشعور بانعدام الأمن، ورفض التفاوض، لتضييق نطاق النقاش السياسي المقبول، وتصوير أي تسوية مع الولايات المتحدة على أنها خيار خطير من الناحية الاستراتيجية وغير مقبول أخلاقيا».
- إيران تواصل المشاورات مع الوسطاء لـ«تجنّب التصعيد» مع الولايات المتحدة
- البحرين تتّهم إيران بـ«نهج عدائي ممنهج» يستهدف المدنيين في المملكة
إلا أن فرص التوصل إلى تسوية تراجعت خلال الأسبوع الماضي مع استئناف الولايات المتحدة وإيران الضربات العسكرية، على خلفية الخلاف بشأن مدى سيطرة إيران على ممرات الملاحة في مضيق هرمز.
كما أدى انهيار وقف إطلاق النار إلى تعريض مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في 17 يونيو للخطر، وهي المذكرة التي كانت تمثل إطارا أوليا لمفاوضات سلام مستقبلية، بما في ذلك الملف النووي الإيراني.
واستؤنف القتال مساء السبت واستمر حتى الأحد، مع تبادل الضربات بين الجانبين. وأعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز بالكامل إلى أجل غير مسمى، بعدما أطلقت قواتها البحرية طلقات تحذيرية أوقفت سفينة تجارية كانت تعبر المضيق دون الحصول على إذن، بحسب بيان بثه التلفزيون الرسمي الإيراني، بينما أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات انتقامية داخل إيران.
تعميق الانقسام داخل طهران
إلى ذلك، يرى تقرير «نيويورك تايمز» أن استئناف القتال عمق الانقسام داخل إيران بين مؤيدي التفاوض وأنصار استمرار المواجهة. وقال مدير مركز الشرق الأوسط والنظام العالمي في برلين، علي فتح الله نجاد، إن «هناك توترا بين من يمنحون الأولوية للميدان ومن يفضلون الدبلوماسية».
وأضاف أن «المشككين في جدوى التفاوض يعتبرون البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ البالستية، والقوات الحليفة لطهران في المنطقة، ركائز أساسية لبقاء النظام وقدرته على الردع، وبالتالي لا يمكن التفاوض بشأنها».
إضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى أن مقتل المرشد الأعلى في بداية الحرب عزز نفوذ الحرس الثوري في إدارة البلاد، بينما ساهم غياب نجله وخليفته، آية الله مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني في زيادة الغموض بشأن موازين القوى داخل النظام.
وقال كلكار إن «المشهد السياسي الإيراني لا يزال شديد الصعوبة والتعقيد، وإنه لا توجد صورة واضحة بشأن الجهة التي تدير النظام حاليا، مضيفا أن النظام يمر بمرحلة إعادة ترتيب للسلطة تحتاج إلى وقت».
تيار مؤيد للتفاوض
في سياق متصل، وعلى الرغم من أن المتشددين يوصفون بأنهم الأكثر صخبا، أشارت «نيويورك تايمز» إلى وجود شخصيات بينهم تؤيد التفاوض، خصوصا في ظل الحاجة إلى معالجة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران.
ويقارن التقرير الوضع الحالي بما جرى خلال المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي للعام 2015، حين انقسمت الساحة السياسية بين إصلاحيين سعوا إلى الانفتاح الداخلي والدبلوماسية، ومحافظين ركزوا على مواجهة الولايات المتحدة وإخراجها من المنطقة.
وبعد انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي بالعام 2018، تعرض الإصلاحيون لانتقادات داخلية بسبب قبولهم بتقييد البرنامج النووي، وهو ما أتاح للمحافظين تعزيز نفوذهم داخل مؤسسات الدولة.
ويقول التقرير إن النخبة الحاكمة لا تزال تهيمن عليها تيارات متشددة، إلا أنها تنقسم بين فريق يصف نفسه بالبراغماتي ويرى أن بقاء النظام يتطلب إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة وفتح المجال أمام إنعاش الاقتصاد، وفريق آخر يرفض تقديم أي تنازلات لواشنطن، بما في ذلك في الملف النووي، ويعتقد أن إيران قادرة على تحقيق أهدافها عبر إطالة أمد الحرب.
وقلص تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية تأثير التيارات السياسية التقليدية، إذ أصبحت الأولوية لاعتبارات الأجهزة الأمنية. وفي الوقت الراهن، يميل هذا التوجه إلى دعم خيار التفاوض، ويبرز في هذا السياق رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، وهو قائد سابق في الحرس الثوري سبق أن انتقد بشدة مفاوضات الاتفاق النووي للعام 2015.
وعلى الرغم من ذلك، يشير التقرير إلى أن القيادة الإيرانية لا تستطيع تجاهل القاعدة الاجتماعية للتيار المتشدد، التي تقدر بنحو 20% من سكان إيران البالغ عددهم 93 مليون نسمة، ويعتقد أنها شكلت غالبية المشاركين في مراسم تشييع خامنئي.
وخلال مراسم التشييع، دعا المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى الثأر، قائلا في بيان نادر إن «إيران ستنتقم لدماء والده ولكل من قتلوا في الحربين، هذا الانتقام يمثل مطلبا للشعب الإيراني».
تعليقات