شهدت الساعات الـ48 الماضية تبادلا للهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال قائما بشكل رسمي، مما يعكس مدى هشاشة هذا الاتفاق، ويثير تساؤلات حول قدرة هذا الاتفاق، وما إذا كانت المواجهة تتجه إلى التصعيد أم إلى احتواء الخلافات ضمن قواعد اشتباك جديدة.
الجولة الأخيرة بدأت عندما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) تنفيذ ضربات جديدة استهدفت مواقع إيرانية مرتبطة بمنظومات المراقبة والطائرات المسيرة، وقالت إن العملية جاءت ردا على هجوم بطائرة مسيرة استهدف ناقلة النفط «كيكو» في مضيق هرمز، بعد هجوم سابق على السفينة «إيفر لافلي».
واعتبرت واشنطن أن الهجمات تمثل انتهاكا مباشرا لبنود وقف إطلاق النار، مؤكدة أن عملياتها دفاعية وتهدف إلى حماية الملاحة الدولية، وليس إلى إنهاء الاتفاق، بحسب وكالة «رويترز».
هجمات «دفاعية ومحدودة»
أكد مسؤولون أميركيون، وفق «رويترز»، أن الضربات جاءت «دفاعية ومحدودة»، وأن هدفها حماية القوات الأميركية وحركة التجارة الدولية، وليس إعلان انتهاء وقف إطلاق النار أو العودة إلى الحرب المفتوحة مع إيران. كما شدد مسؤولون في الإدارة الأميركية على أن الاتفاق ما زال قائما، لكنه يتطلب التزاما إيرانيا بوقف استهداف القوات الأميركية والسفن التجارية.
- الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف مواقع أميركية ردا على ضربات واشنطن
- عراقجي: أي تصدٍ لسيطرة إيران على مضيق هرمز «سيُزيد التوتر» في الشرق الأوسط
- إيران تؤكد عزمها «الدفاع عن سيادتها» بوجه العدوان الأميركي
في المقابل، أعلنت طهران تنفيذ ضربات ضد أهداف مرتبطة بالقوات الأميركية، مؤكدة أن عملياتها جاءت ردا على الغارات الأميركية الأخيرة. وبحسب ما نشرته «رويترز»، وصفت إيران الضربات الأميركية بأنها انتهاك واضح للتفاهم القائم، وأكدت أن ردها يندرج ضمن حقها في الدفاع عن النفس، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تسعى إلى توسيع نطاق الحرب.
ويكشف تمسك الطرفين بالاتفاق، على الرغم من استمرار الضربات، مفارقة لافتة. فكل من واشنطن وطهران تتحدث عن الدفاع عن الاتفاق، بينما يتهم الطرف الآخر بأنه المسؤول عن تقويضه.
الحفاظ على وقف إطلاق النار
تعكس هذه المفارقة طبيعة الاتفاق نفسه، إذ لم يكن يهدف إلى إنهاء جميع أشكال المواجهة العسكرية بقدر ما كان يهدف إلى منع انزلاقها إلى حرب إقليمية واسعة، وهو ما يفسر استمرار الردود العسكرية المحدودة بالتوازي مع استمرار الاتصالات السياسية.
بدورها، ما زالت الإدارة الأميركية تعتبر أن الحفاظ على وقف إطلاق النار يمثل الخيار الأفضل لتجنب حرب طويلة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه أوضحت أن أي هجمات جديدة تستهدف القوات الأميركية أو الملاحة الدولية ستقابل برد عسكري سريع، وهو ما يعكس محاولة الجمع بين الردع العسكري، والإبقاء على المسار الدبلوماسي، كما نقلت شبكة «سكاي نيوز» البريطانية.
هدنة هشة
في السياق نفسه، أشارت جريدة «ذا غارديان» البريطانية إلى أن الساعات الماضية أظهرت أن الاتفاق دخل مرحلة الهدنة الهشة، حيث يسعى كل طرف إلى اختبار حدود الطرف الآخر دون الوصول إلى نقطة الانهيار الكامل.
لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن استمرار الضربات المتبادلة لا يعني بالضرورة سقوط الاتفاق، لكنه يُزيد احتمالات سوء التقدير العسكري، خاصة إذا أسفرت أي عملية عن خسائر بشرية كبيرة.
كما يهدد التصعيد بإضعاف أي جهود مستقبلية لاستئناف المفاوضات بشأن الملفات الخلافية بين البلدين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية. وتشير تقديرات محللين إلى أن استمرار المواجهة العسكرية، حتى وإن بقيت ضمن حدود معينة، سيُزيد من صعوبة بناء الثقة اللازمة لأي مفاوضات جديدة.
إدارة الأزمة وليس تسوية دائمة
بدورها، رأت جريدة «فاينانشيال تايمز» أن الاتفاق الحالي أقرب إلى هدنة لإدارة الأزمة منه إلى تسوية دائمة، إذ يركز على منع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة أكثر من تركيزه على إنهاء جميع أشكال المواجهة بين الطرفين.
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على العلاقات الأميركية - الإيرانية، بل تمتد إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. وبحسب ما أوردته «رويترز»، فإن الهجمات الأخيرة على السفن التجارية أعادت المخاوف بشأن سلامة خطوط الإمداد، وأثارت قلق شركات الشحن وأسواق الطاقة، على الرغم من أن حركة الملاحة لم تتوقف بالكامل حتى الآن.
مع ذلك، يبقى مستقبل التفاهم مرهونا بالتطورات الميدانية خلال الأيام المقبلة. فإذا توقفت الضربات المتبادلة، فقد يتمكن الوسطاء من احتواء الأزمة، وإعادة تثبيت وقف إطلاق النار. أما إذا استمرت الهجمات أو تصاعدت، فإن الاتفاق سيواجه أخطر اختبار منذ توقيعه، وقد يتحول من أداة لاحتواء الصراع إلى مجرد إطار سياسي فقد تأثيره على الأرض.
وفي المحصلة، أظهرت أحداث اليومين الماضيين أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال قائما من الناحية الرسمية، لكنه بات يعتمد على توازن شديد الحساسية بين الردع العسكري والرغبة السياسية في تجنب حرب شاملة. وفي حين تصر كل من واشنطن وطهران على أنهما لا تريدان انهيار الاتفاق، فإن استمرار تبادل الضربات يجعل بقاءه رهنا بقدرة الطرفين على ضبط إيقاع التصعيد، ومنع أي خطأ ميداني قد يغير مسار الأزمة بالكامل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات