زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بكين الأربعاء الماضي لعقد قمة استمرت يومين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، وسط تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في إيران، والحرب الروسية في أوكرانيا.
جاءت الزيارة في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية تساؤلات بشأن طبيعة تعامل ترامب مع بكين، وما إذا كان قد مارس ضغوطا على القيادة الصينية مقابل تنازلات مرتبطة بملف تايوان.
قمة تأجلت لنحو شهر ونصف
انعقدت القمة بعد تأجيلها من أواخر مارس بسبب تصاعد الحرب الإيرانية، بينما تواصل الصين لعب دور رئيسي في تمويل كل من إيران وروسيا عبر واردات النفط والغاز، الأمر الذي أسهم في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا خلال السنوات الأخيرة، بحسب تقرير نشره موقع «أويل برايس» الأميركي.
- البيت الأبيض: اللقاء بين ترامب وشي كان جيدا
- شي يحذر ترامب من نشوب صراع بين بكين وواشنطن بسبب قضية تايوان
ويتركز اهتمام واشنطن حاليًا على استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره تاريخيًا نحو ثلث النفط العالمي وخُمس الغاز الطبيعي المسال.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت الاستراتيجية الأميركية من المواجهة العسكرية المباشرة إلى ضغوط اقتصادية ومالية قائمة على العقوبات.
تفاهمات متبادلة
لم يتطرق البيت الأبيض رسميا إلى ملف تايوان في بيان القمة بين ترامب وشي. وعقب اجتماعه الأخير مع جينبينغ، أكد الرئيس الأميركي رغبته في الإبقاء على الوضع الحالي، قائلا إن استمرار الوضع القائم سيبقي الصين راضية، مضيفًا أن شي يعد تايوان جزءًا من الصين، وأن القرار بشأن ما سيفعله يعود إليه.
وقال التقرير: «لا تستطيع الولايات المتحدة إجبار الصين على استخدام نفوذها الاقتصادي لإنهاء الحربين في إيران وأوكرانيا، خاصة بعد التوترات الاقتصادية المتصاعدة بين واشنطن وبكين».
ودفعت الرسوم الجمركية الأميركية، التي فُرضت العام الماضي على الصين، بكين إلى فرض رسوم مضادة، ووقف تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات الأميركية، ما تسبب أيضًا في اضطرابات بسلاسل التوريد العالمية، وتراجع أسواق الأسهم.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة العمل على الحد من التوسع الصيني عالميًا، بينما تسعى الصين إلى تعزيز نموها الاقتصادي وتقليص النفوذ الأميركي، خصوصًا عبر تقويض هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي.
وأدى هذا التوازن إلى اعتماد العلاقات بين البلدين على مبدأ «المقايضة»، حيث تعد الصين أن أي ضغوط تمارسها على إيران وروسيا يجب أن تقابلها تفاهمات أميركية مرتبطة بتايوان.
وتعتمد بكين في توسيع نفوذها على نهج يجمع بين الأدوات الاقتصادية والسياسية، ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، وهو النهج نفسه الذي تسعى من خلاله إلى إعادة ضم تايوان.
ويستند الموقف الأميركي – الصيني بشأن تايوان إلى مبدأ «الصين الواحدة»، الذي يعترف بموجبه الجانب الأميركي بجمهورية الصين الشعبية في بكين كحكومة شرعية وحيدة للصين، مع الإقرار فقط بالموقف الصيني القائل إن تايوان جزء من الصين.
ملف تايوان «الشائك»
في هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز دورها كوسيط في الحرب الإيرانية، إذ انضمت بكين إلى باكستان في جهود الوساطة، وشارك مسؤولون صينيون في إعداد خطة من خمس نقاط، خلال مارس، تهدف إلى التوصل لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب مصادر أوروبية نقل عنها «أويل برايس»، تسعى بكين من خلال هذه التحركات إلى إظهار حسن النية للولايات المتحدة، مع تأكيد انخراطها الرسمي في الأزمة مقابل توقعها موقفًا أميركيًا أكثر مرونة بشأن تايوان.
وأضافت أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين بدت بمنزلة استعراض لخيار الوساطة الصينية أمام واشنطن، بالتزامن مع تصريحات صينية إيجابية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.
وتابعت المصادر أنه «إذا لم يتجه ترامب نحو هذا المسار، فمن المرجح أن تستمر إيران في التشدد، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى استئناف عملياتها العسكرية المكلفة خلال الأيام المقبلة، مع احتمالات لمزيد من ارتفاع أسعار النفط والبنزين عالميًا».
دعم صيني لإيران
تواصل الصين شراء كميات كبيرة من النفط الإيراني على الرغم من العقوبات الدولية، ما يوفر مصدرا ماليًا أساسيًا للنظام الإيراني.
ومنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، أصبحت الصين المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، حيث تستحوذ على ما يصل إلى 95% من صادراته، بينما يشكل النفط أكثر من نصف ميزانية الحكومة الإيرانية.
وخلال فبراير فقط، صدّرت إيران 60.7 مليون برميل نفط، بعائدات قُدرت بنحو 4.27 مليار دولار، كانت الصين مسؤولة عن الجزء الأكبر منها. ويجرى استيراد غالبية هذه الكميات عبر مصافٍ صينية صغيرة تُعرف باسم «أباريق الشاي»، على الرغم من أن الشركات المحلية في الصين تخضع بصورة مباشرة أو غير مباشرة لسيطرة الدولة.
وترى واشنطن أن بإمكان بكين إنهاء الأزمة سريعًا إذا قررت وقف استيراد النفط الإيراني ما لم يُعاد فتح مضيق هرمز فورًا.
الموقف مع روسيا
ينطبق الوضع نفسه على روسيا، إذ تعتمد موسكو على النفط والغاز لتأمين نحو ثلث إيرادات ميزانيتها اللازمة لتمويل الحرب في أوكرانيا، بينما أصبحت الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الروسي بعد العقوبات الغربية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه على قطاع الطاقة الروسي.
وتستورد الصين أكثر من 100مليون طن من النفط الروسي سنويًا، بما يعادل نحو 20% من إجمالي وارداتها من الطاقة، بالإضافة إلى أكثر من 52 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي سنويًا، ما يجعل روسيا المورد الأول للصين، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال.
ويُنقل الجزء الأكبر من الغاز عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا 1»، بينما اتفق الجانبان الروسي والصيني عقب اجتماعات حديثة بين شي جينبينغ والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على رفع الإمدادات السنوية من 38 مليار متر مكعب إلى 44 مليارًا.
كما دفعت العقوبات الغربية، التي استبعدت روسيا من نظام «سويفت» المصرفي، إلى تطوير نظام مالي موازٍ بين موسكو وبكين، مع وجود ترتيبات مشابهة بين الصين وإيران، للحد من الاعتماد على الدولار الأميركي.
تعليقات