خصص نادي النصر السعودي استقبالا ملكيا للنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو بعد ضمه في صفقة تاريخية يكسب منها صاحب الأرقام القياسية 200 مليون يورو سنويا، لكن للصفقة أبعادًا تتجاوز الرياضة في خضم سعي المملكة لتنويع مصادر دخلها ضمن رؤية 2030 الاقتصادية لولي العهد الطموح محمد بن سلمان وتحويل المملكة إلى وجهة سياحية جذابة.
البرتغالي كريستيانو رونالدو صاحب الأرقام القياسية الكروية في السعودية، في صفقة تاريخية جعلت المملكة محط أنظار عشاق كرة القدم. فانتقال «الدون البرتغالي» لنادي «النصر» ليس مجرد خبر رياضي لانتقال لاعب من فريق لآخر، لما للاعب من حضور إعلامي واسع ومتابعة جماهيرية عالمية لا يفوقه فيها أي رياضي آخر، وذلك وفق ما نشره موقع «فرانس 24».
قدوم رونالدو إلى السعودية والتقديم الأسطوري بملعب مرسول بارك بحضور أكثر من 30 ألف مشجع يعتبر بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد: جعل الدوري السعودي أكثر جاذبية للاعبي المستوى العالي، وهو الدوري الذي يعد الأفضل عربيا من حيث قيمة اللاعبين- والترويج للمملكة كوجهة سياحية وهو طموح ولي العهد محمد بن سلمان ضمن رؤية 2030 الاقتصادية.
نجم عالمي بالدوري السعودي
الشغف السعودي بالرياضة عموما وكرة القدم بالخصوص كبير جدا وقد ظهر في كأس العالم الأخيرة عندما منح الملك سلمان يوم عطلة لكل الدوائر الحكومية بعد فوز تاريخي للأخضر على الأرجنتين التي توجت بكأس العالم.
من جهته، رحب وزير الرياضة السعودي، الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، بانضمام رونالدو إلى النصر. وكتب عبر حسابه الرسمي على موقع تويتر: «سعيد بتواجد أحد أفضل لاعبي العالم لبدء مسيرته الجديدة في السعودية.. مرحبا بك»، وتابع قائلا: «سندعم بقية أنديتنا لصفقات نوعية مع نجوم عالميين قريبا».
ويرى الناقد المختص في الشأن السعودي سمير الحمادي والذي يعمل في وسائل إعلام إخبارية ورياضية سعودية، أن رونالدو، رغم تقدمه في السن، ما زال في أوج عطائه البدني والفني ويمكن أن يقود النصر السعودي إلى تحقيق اللقب المحلي والتتويج بلقب قاري، وهو ما صرح به «الدون» بنفسه.
ويضيف الحمادي: «الجانب الفني مضمون، وهو بنفسه صرح بأنه جاء للنصر لتحطيم أرقام قياسية في آسيا، قدوم رونالدو سيشجع نجوم عالميين آخرين للقدوم إلى السعودية، كما أن وجوده في السعودية سيساعد في دفع كرة القدم السعودية خصوصا بعد المردود الجيد في كأس العالم».
الدوري السعودي.. أعلى معدل حضور جماهيري
وعكس باقي دول الخليج، يتمتع الدوري السعودي بحضور جماهيري كبير مع أندية عريقة، مثل الهلال زعيم آسيا والنصر والشباب وأهلي واتحاد جدة، وحضور «الدون» لا يمكن إلا أن يزيد من إشعاع الدوري السعودي.
فرونالدو كان في القمة طيلة آخر 15 عاما صحبة منافسه اللدود ميسي، وجعل مجرد مروره ببلد ما حدثا مهما تتهافت الكاميرات على تصويره. فما بالك بلعبه كل أسبوع بالدوري السعودي.
السعودية تنافس الوجهات السياحية الإقليمية
إضافة إلى البعد الرياضي، يعد حضور رونالدو في السعودية ضربة تسويقية وسياحية مضمونة النجاح للمملكة، فرغم الحجم الضخم للصفقة للاعب بعمر 37 عاما، والتي قدرتها مصادر صحفية أوروبية بـ200 مليون، فإنها تسمح للمملكة في توسيع ترويجها للبلد الإسلامي المحافظ كبلد سياحي.
- إيدي هاو: لا وجود لبند في عقد كريستيانو ينقله لـ«نيوكاسل»
- بالفيديو: جورجينا تصطحب عائلة كريستيانو لملعب «مرسول بارك»
حيث ذكرت مصادر إعلامية أن عقد رونالدو يتضمن راتبا سنويا يقدر بـ70 مليون يورو فيما سيصرف له باقي المبلغ ضمن عقود رعاية وإعلانات من المؤكد أنها ستكون ضمن مساعي الترويج للمملكة.
ومن المؤكد أن المسؤولين السعوديين، وعلى رأسهم ولي العهد الشاب محمد بن سلمان قد استلهم التجربة القطرية في استغلال الرياضة لتحصيل «قوة ناعمة» مع النجاح في تنظيم كأس العالم وشراء نادي باريس سان جرمان وجلب نجوم عالميين للعب معه، وذلك وفق ما نشر على موقع «فرانس 24».
وبعد صعوده الصاروخي للحكم، طرح بن سلمان رؤية 2030 الاقتصادية التي ينوي من خلالها إعداد المملكة لمرحلة «ما بعد النفط»، وذلك من خلال طرح مشاريع سياحية وتكنولوجية وجعل المملكة حاضنة لمؤسسات عالمية وتشجيع الشباب السعودي على المبادرة الاقتصادية عوض التعويل على الريع النفطي.
ولعل أبرز تجليات هذه المرحلة مشروع مدينة «نيوم» الضخم على البحر الأحمر التي تقدمها السلطات السعودية على أنها مدينة مستقبلية ذكية ستكون وجهة اقتصادية وسياحية في آن واحد.
الاستعداد لمرحلة «ما بعد النفط»
في هذا الصدد، يرى الحمادي أن الجانب الترويجي هو الأهم في صفقة رونالدو: «السعودية تمر بمرحلة انتقال وإصلاح اقتصادي وخلق قطاعات حيوية جديدة بعيدا عن النفط وخصوصا السياحة ومنافسة الوجهات الإقليمية، السعودية تهدف إلى استقطاب 100 مليون سائح بحلول سنة 2030، ورونالدو يعد واجهة لهذا المشروع مع صديقته جورجينا اللذين يملكان مئات الملايين من المتابعين على وسائل التواصل، ستكون يومياتهما محل انتظار ومتابعة من الشركات الكبرى والملايين».
ورونالدو قد يكون لبنة جديدة ذات قيمة مضافة عالية في الترويج للسعودية كوجهة سياحية صحراوية واسعة، حيث يعد البرتغالي الشخص الأكثر متابعة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنشوراته تحظى بالملايين من علامات الإعجاب.
وآخر دليل على الحضور الساطع لرونالدو أينما حل، هو ترديد عشرات الآلاف اسمه خلال متابعتهم مباراة البرتغال وسويسرا على ملعب لوسيل بثمن نهائي المونديال، رغبة منهم في رؤيته على الميدان بعد أن أبقاه مدرب «سليساو أوروبا» على دكة البدلاء.
واستقدام رونالدو للسعودية خطوة جديدة في الاعتماد على الرياضة كرافعة اقتصادية ودبلوماسية. وستتوجه أنظار عشاق الرياضة هذا الشهر إلى السعودية في مباراة ودية بين النصر مع رونالدو وباريس سان جيرمان وبطله العالمي ليونيل ميسي.
الاستثمار في الرياضة كقوة ناعمة
وأول صفقة رياضية كبيرة للمملكة، كانت استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي العام الماضي، وبعد أن كان النادي يصارع لتفادي الهبوط، احتل هذا الموسم المرتبة الثالثة في «البريمييرليغ».
كما منح الاتحاد الآسيوي لكرة القدم السعودية شرف تنظيم كأس أمم آسيا لسنة 2027 للمرة الأولى في تاريخ المملكة. كما فازت السعودية بشرف تنظيم دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 بمنطقة نيوم، في سابقة من نوعها في المنطقة الصحراوية.
وتحدثت تقارير عن وجود رغبة لدى المسؤولين السعوديين للترشح لتنظيم الألعاب الأولمبية لسنة 2036 وتلميحات للترشح لتنظيم كأس العالم 2030.
ويخلص الحمادي إلى أن صفقة رونالدو مع النصر تذكره بصفقة مارادونا مع نابولي، حيث يضيف: «رئيس نابولي توجه إلى رئيس بلدية المدينة لإقناعه بجلب مارادونا ومنافسة ميلان ويوفنتوس وتحولت المدينة المهمة إلى وجهة جذابة، وبالفعل تحولت نابولي إلى وجهة سياحية وفتحت مؤسسات كبيرة فنادق وأماكن ترفيه في نابولي، فربح السعودية من صفقة رونالدو سيتجاوز بكثير 200 مليون يورو التي سيحصل عليها رونالدو سنويا».
تعليقات