شهدت قاعة دار الفنون، السبت، إقامة معرض «مسامير» لفنان الكاريكاتير العجيلي العبيدي، كما صاحب المعرض حفل توقيع كتابه «مسامير»، وهو الإصدار الرابع للعجيلي، ويضم مجموعة مختارة من أعماله الساخرة ومقدمة بإمضاء الناقد منصور بوشناف.
تحاكي لوحات المعرض الواقع المعيشي للناس، وترصد جانبا من تفاصيل الشارع ولغة الرصيف، وصوت الهامش المرسوم في قوالب الشخوص وملامح الأماكن، تخبرنا أيضا عن التراجع المؤلم في سلم الاستحقاقات، وانحدار سقف الأمنيات إلى ما يشبه السقوط الحر من حلم الديموقراطية إلى أمنية البقاء على قيد الحياة.
لا نقرأ تعليقا علي اللوحات، فالصورة أصدق أنباء من الحروف، هكذا ينهض العجيلي بالعمل متحررا من سلطة التعليق، وتظل الكتابة التي يبقيها خلف إطار اللوحة حاضرة في شكل أفكار مستمدة من نصوص شعرية أو مقاطع سردية أو مواقف عايشها الفنان تختمر وتنتقل من فضاء النثر إلي فضاء الريشة.
المسامير في مرايا العجيلي، علامات استفهام غير مباشرة عن فرص ضائعة وإشارات لنتائج خسران تلك الفرص وناقوس خطر أيضا لواقع ينبغي تدارك تداعياته، فاللوحات وإن كانت مباشرة تتحدث عن لقمة العيش وغلاء الأسعار، ومكابدة الأزمات لكنها تعكس بشكل أو بآخر الحاجة إلى وجوب تغيير هذا الواقع والنظر بعمق في أولويات المطالب والاستفادة من ركام الأزمات السابقة، فالفن هنا لا يقدم متعة بصرية فقط لكنه زووم على المشهد الليبي بكل تجلياته.
ماذا قال بوشناف عن العجيلي؟
في مقدمة كتاب «مسامير» يكتب الناقد والروائي منصور بوشناف عن تجربة العجيلي، مشيرا إلى أن العجيلي وبعض الموهوبين من جيله اهتموا بالقضايا السياسية، وسخر سخرية ريشته لتشريح ذلك الانحطاط والتردي الذي وصل إليه المشهد السياسي العربي، كذلك عبر عما كان يحس به الإنسان العربي المطحون من ظلم عالمي يستهدف خيرات بلاده ومصيره.
- للاطلاع على العدد «532» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقال بوشناف: «تأثر العجيلي كغالبية فناني الكاريكاتور الليبيين بتجربة الزواوي وظهر ذلك التأثير واضحا في البدايات ثم استطاع العجيلي أن يجد أسلوبه الخاص وإن ظلت به بعض تفاصيل الزواوي».
ويمضي بوشناف في إشارته إلى أن تجربة ناجي العلي كانت نقلة مهمة في فن الكاريكاتور العربي ووصل تأثير هذه التجربة إلى ليبيا، واستفاد العجيلي بمنجزات هذه التجربة، وانتقل إلى فضاء أبعد من الساحة الليبية، وانشغل بقضايا الظلم والحرية في العالم، ورسخ هذا الانشغال عمله بالصحافة وتفاعله مع القضايا وتطوراتها اليومية دون أن يتخلي عن الأسلوب الليبي الخاص في فن الكاريكاتور.
وينتهي بوشناف إلى خلاصة أن أعمال العبيدي لا تجعلنا نضحك بالتأكيد، إنها تفيض مرارة وألما بتصوير تناقضات العالم وفضح معاييره الظالمة، إنها صرخات ضد الظلم والقمع والفقر والاستغلال.
القراءة والمشاهدة
إضافة إلى ما ذكره بوشناف فالعجيلي العبيدي لا يتوقف عن تعبيد طريقه في هذا الفضاء إلا ليواصل رسم خطوطه مرحلة بعد أخرى متسلحا بالقراءة والتأمل والمشاهدة، عبر هذه الثلاثية كانت إطلالته المبكرة على عالم الصورة وهي تختمر في خياله، قبل أن تتحول إلى سلسلة من المعالجات والمراجعات والهوامش تحت مظلة التجريب.
وعي العجيلي المبكر بمكونات الكاريكاتور تسجل نزوعا بملاحقة التفاصيل لأعمال عدة محلية وعربية، من حيث اكتشاف مكامن الإضافات وهوية اللوحة الممهورة بتوقيع صاحبها، هي بصمة الأفكار والأحاسيس وروح الشغف المتسربة في الخطوط، تتعانق معها تجليات العجيلي محاولا في كل مرة وضع إحداثياته الخاصة ونقش قالبها وفق شروطها.
في «مسامير» نلحظ بانوراما ساخرة مرفوعة على منصة النقد الكاريكاتوري، على المنحى الحياتي بمظاهره المختلفة، والعجيلي هنا لا يود الاقتراب من فوهات البراكين فقط بل تحليل أسباب فورتها ومعاينة مسار الحمم، وكذا لا يمكنه وصف الزلازل التي هزت المستديرة إلا بتحسس انعكاساتها على سلوك ونهج وتطلعات العقل البشري الذي صدمته العواصف، والوقوف من ذلك أمام السؤال الكبير: كيف نتفادى الصدام؟
- للاطلاع على العدد «532» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
قد لا يعنى الفن كثيرا بالإجابات بقدر ما يرتهن للأسئلة، والعجيلي عبر هذه الأعمال يحاول دمج الإجابة بالسؤال أي وضع المتلقي أمام طقس استفهامي مصاغة في معادلة السهل الممتنع، بغية رفع سقف التأويلات دون المبالغة والإبحار عميقا في مرموز العمل دون التجديف بعيدا عن جوهر الفكرة، يترك اللوحة دون تعليق معلقا الوضوح في المسافة الوسط بينه وبين المتلقي أو هو يدفعها نحوه عميقا في مخيلته لحوار داخلي لاحق يبحث في ماهيتها ودلالتها.
كل ذلك يجرى باستثمار المحلي للعالمي والعكس، متنقلا بين الفكرة والشكل، ومن الذاتي إلى الكلي أو من الفردي إلى الجمعي يناقش ما يعتمر في ذهن المواطن البسيط، ويمتص زحام تنهداته محولا إياها إلى إطلالة متعددة الاتجاهات على الحقوق والنظام والحريات والغش والخداع والتزوير، ونقد التسلط والأنانية والمضاربة بقوت الفقراء، والتنمر، وقطار لا ينتهي من الأزمات.
تعليقات