شهدت قاعة القبة الفلكية السبت أمسية وحفل تأبين، تقديراً لجهود الكاتبين الراحلين رضا بن موسى وجمعة الدويب بحضور نخبة من الكتَّاب والصحفيين. الأمسية أدارها الكاتب مفتاح قناو ونظمتها الجمعية الليبية للآداب والفنون التي انتمى إلى عضويتها الراحلان، وذلك بالتعاون مع إذاعة طرابلس المحلية.
وفي كلمة مسجلة استحضر الدكتور علي عبداللطيف حميده ذكرياته مع صديقه الكاتب رضا بن موسى قائلاً «عرفته منذ السبعينيات عندما كنا معاً ضمن الحركة الطلابية في بنغازي ثم في القاهرة، وما يميز شخصيته أنه كان قوياً ولم ينكسر كما كان بشوشاً وودوداً مع الآخرين، ومناضلاً حقيقياً في وقت ادعى فيه الكثيرون النضال، وارتبط بالشارع الليبي ثقافياً عبر المسرح والكتابة والنقد».
أضاف حميده «رغم وعكته الصحية مؤخراً إلا أنه كان كعادته مليئاً بالحماس والضحك والابتسامة وقدم لي تحليلاً اشتراكياً غرامشياً، فأنا أحب أن أصفه بغرامشي الليبي بحكم أنه كان قارئاً جيداً للفيلسوف الاشتراكي الإيطالي أنطونيو غرامشي».
ومن ألمانيا تحدث أبوبكر الدويب مستذكراً مآثر شقيقه الراحل جمعة الدويب، واصفاً شخصيته بالحكيم، إضافة لكونه صديقاً وملهماً. مضيفاً «ستظل ذكراه خالدة فينا وفي نفوس أصدقائه».
بين الزنقة والرياضة ويوسف القويري
ويتوقف الدكتور محمد الدايري عند أهم المحطات التي جمعته مع رضا بن موسى وشواهدها من الثقافة والرياضة وهوامش المكان، قائلاً: «جمعتنا أزقة المدينة القديمة، حيث كنا ننطلق من «زنقة بن موسى» إلى «زنقة حواء علجية»، كانت تنتظرنا هناك كرة كان يتلقفها معنا ويتفنن في سحرها رافع العزابي، رحمه الله، والهادي العايب وحسن اشحاتة وعبدالرزاق التركي».
- للاطلاع على العدد «492» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
يضيف «سحر كرة القدم كان المسيطر على أوقات الفسحة واللهو مع كوشة الصفار التي كانت تحمل معها عشق نادي المدينة ولاعبيها الذين كانت تحتضنهم أزقتها، من عمر أبورقيقة وللباشا (الكابا) ومحمد الفقي وميلاد المسلاتي وعاشور الزواري وعبدالنبي ومصطفى الغرياني ومحمود التكبالي وبشير الكعامي ومحمد الخنشي.. ودأبنا على حضور ومتابعة مباريات المدينة بلهف وعشق مفعم ببعض انتصاراتها التي أنعشتنا مع آلاف مشجعيها. كانت تجربتنا الكروية متلازمة مع هتافات المشجعين ما ما مدينة!».
يقول الدايري «لم تكن الرياضة وأجواؤها وحدها التي تجمعنا. فقد أخذتنا في مرحلة الصبا رعاية العم فاضل المسعودي لنجد كلينا في أجواء جريدة رائدة. كنا في مقر الميدان ننتعش بقراءة مقالات الراحل يوسف القويري التي كانت تجد طريقها إلى سلة المهملات. كان كاتبنا المرموق صعباً مع كلماته، لم يكن ليرضى عنها دوماً بسهولة قبل نشرها في الصحيفة».
يضيف «كنا نتمتع بالركض إلى سلة المهملات لنقرأ بعض المقالات المكتوبة والمرمية في السلة والتي لم تحظ برضى كاتبها. كان يوسف القويري ينحت الحرف فعلاً في خط جميل وأنيق، ليتحفنا في نهاية المطاف بدقة معاني الكلمات وبرصانة المضمون. كانت زاوية مذكرات رجل لم يولد تقرأ بنهم من عشاق الحرف، ومحط اهتمام كبير في أوساط الأدب والفكر».
ومن وقت لآخر، كانت لرضا مساهمات في إنعاش الصفحة الرياضية للميدان، كما يقول الدايري «ذلك أن العم كان يهتم بتشجيعنا ودفعنا للانخراط أكثر بعالم الصحافة، بينما كانت أروقة الجريدة تعج بلقاءات الفكر والسياسة. كنا نستمع إلى نقاشات رئيس تحرير وكتاب الصحيفة مع أصدقائها العديدين». ويواصل «كنا نتلمس خطواتنا الأولى في عالم الثقافة والصحافة من خلال جلسات شيقة لأسرة الميدان مع عبدالله القويري وأمين مازن وبشير الهاشمي والمهدي كاجيجي. بينما كانت حوارات علي أبوزقية وعلى عميش ومحمد فاضل زيان تحملنا إلى الوطن وهمومه والى السياسة بمفهومها العميق، كانت الميدان مدرسة فكرية متكاملة ساهمت في إيصالنا إلى آفاق رائعة».
رضا بن موسى رياضياً
وتطرق رئيس تحرير بوابة وجريدة «الوسط» الكاتب والصحفي بشير زعبيه إلى شخصية رضا بن موسى كرياضي بقوله: «كثيرون عرفوا رضا المسرحي، الناقد، والناشط الأدبي والسياسي، لكن ربما قليلون هم الذين عرفوه رياضياً، وهذا هو الجانب الذي عرفته فيه أوائل سبعينيات القرن الماضي، حينما كان لاعباً ضمن فريق كرة القدم بنادي الشباب العربي التقدمي، ومقره شارع بن عاشور».
وتابع زعبيه: «كنت أنا في بداية التحاقي بفريق نادي هلال سوق الجمعة (الترسانة حالياً)، وكان ناديانا آنذاك غريمين تقليديين في منافسات الصعود إلى الدرجة الأولى، ثم كان حضوره الثاني بالنسبة لي خلال منافسات الدوري الثقافي الذي كانت تنظمه اللجنة الثقافية لنادي الهلال، وكنت والصديقان محمود البوسيفي والراحل نصرالدين القاضي من أعضائها، وكان رضا أحد أعضاء الفريق الثقافي الممثل لنادي الشباب».
وأضاف زعبيه «من ذلك الوقت اختفى رضا من مشهدي، ومن المشهد العام، وانقطعت أخباره لنعلم فيما بعد أنه جرى اعتقاله، وخلال ذلك العمر القصير من معرفتي به كانت العلاقة بيننا سطحية لم تبلغ حد التواصل المباشر المنتظم، حتى جاء ذلك اليوم الذي تجددت معرفتي به ما بعد سني الاعتقال التي جاوزت العقد، وتعرفت على رضا الطليق الذي بدا وكأنه كان يحتفظ بحيويته، وتوهجه طوال تلك السنين في مكان خفي، لعله البحر، لأنه عند أول تجاوزه عتبة السجن سمعه قريبون منه يقول: «نبي نشوف البحر، خذوني للبحر»، لأن رضا كان يرى في البحر شكلا للحرية، مستنشقاً ما استطاع من هوائه وهو الناجي تلك اللحظة من أسر الزنزانة الخانق، والجدران التي تضيق.
زعبيه استحضر في السياق ذاته تلك الأمسيات التي كانت تجمعه في «مربوعة» الراحل العزيز، نصرالدين القاضي صحبة الرفاق الذي أحبهم، معلقاً: أتذكر ولن أنسى كم كان كعادته مدججاً بالحيوية، وكيف لم تكن تفارق وجهه الابتسامة التي ستتحول بعد حين إلى تلك الضحكة النقية التي تجبرنا على ألا نترك التفاؤل يفلت من بين أيدينا عندما كان الكل لا يخفي الخشية من مستقبل غامض الملامح ينتظر ليبيا، بينما نقرأ في ملامحه الباسمة أن ليبيا التي أهداها أجمل سني عمره، ونشاركه عشقها ستتعافى..
أبي يعتز برفقتكم
والقى المحامي والشاعر جمعة عتيقة نصاً رثائياً بعنوان (رحيل الضحكة المجنحة) يقول فيه: رحلت مجلجلة تزغرد في السماء /أني لنا أن تلحق الأصداء /أني لنا أن تستعيد رنينها /أو ان تصيخ السمع في الأرجاء).
وتحدث الكاتب منصور بوشناف عن صداقته مع الكاتب رضا بن موسى التي ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي تعززها مائدة المسرح، حيث أدى بن موسى دور البطولة لبعض مسرحيات بوشناف ثم جمعتهما رفقة السجن التي امتدت لحوالي 12 سنة.
- للاطلاع على العدد «492» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
الكاتب أمين مازن أكد دور الراحلين في المشهد الثقافي ومساهمتهما البارزة في العمل بحرص وجدية فيما أشارت نجاح الدويب ابنة الراحل جمعة الدويب إلى اعتزاز والدها بالعمل ضمن فريق الجمعية الليبية للآداب وكذا مشاركته في العمل الثقافي بشكل عام، وذكرت نوار رضا بن موسى بعضاً من سيرتها مع والدها في خطاب وجداني يعكس أثر الكاتب والإنسان والأب في تكوينها.
وتوالت المشاركات من جانب كلٍ من الكتاب «حسين المزداوي ورمضان سليم وإدريس القايد وصالح الدعيكي وعاشور الطويبي وعبدالفتاح البشتي ووسام بوزقية»، حيث ركزت الكلمات على دور الراحلين بن موسى والدويب ومساهمتهما الفاعلة في المشهد الثقافي الليبي.
تعليقات