أغرب من الخيال.. قرية تنتج الكهرباء من الجبن

في غرفة مظلمة يلفها البخار يتصبب ثلاثة رجال عرقا أمام أقدار يحضرون فيها التوفو في كاليساري في قلب المنطقة المتخصصة بهذا الجبن المصنوع من الصويا على جزيرة جاوا الاندونيسية، وبفضل هذا النشاط باتت بلدتهم تنتج الكهرباء «المراعية للبيئة».

وتتوارث الأجيال تلو الأخرى هذا التقليد في هذا البلد الاستوائي المناخ. فسكان كاليساري يمخضون أولا حليب الصويا الممزوج مع مخثرات ثم يصفون الرواسب ويقطعون العجينة البيضاء إلى مكعبات صغيرة. هكذا يصنع التوفو الناجم عن ترويب حليب الصويا وهو يشكل أساسًا مهما للتغذية في آسيا.

لكن منذ سنوات قليلة يترافق هذا التقليد القديم مع عملية انتاج حديثة بامتياز. فاليوم لا ترمى الرواسب الحمضية السائلة بل تعاد معالجتها لإنتاج الغاز الحيوي المتدني الكلفة الذي يستخدم في الإنارة والطبخ. وتطمح هذه البلدة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي على صعيد الكهرباء قريبا.

ويستفيد ما لا يقل عن 150 شركة صغيرة لانتاج التوفو مقامة بغالبيتها في منازل عائلية، من هذا البرنامح المبتكر المراعي للبيئة.

فبعد ترويب اللبن اثر اضافة حمض الخل تتم تصفية السائل. وتمر هذه «المياه المبتذلة» عبر قساطل موصولة بأحواض كبيرة حيث تتخمر المواد العضوية بفضل اضافة بكتيريا ما يسمح بانتاج الغاز الحيوي. وتحتاج هذه العملية الى كميات كبيرة من المياه توازي 33 ليترا لكل كيلوغرام من جبن الصويا.

طاقة نظيفة ورخيصة
وهذه الطاقة أقل كلفة بثلاث مرات من الغاز الطبيعي المسال وتسمح كذلك للمزارعين بخفض انبعاثات الكربون التي تعتبر اندونيسيا من اكبر المسببين لها في العالم.

ولو عمم هذا الانتاج على البلاد برمتها، يمكن لهذا الغاز الحيوي أن يحل سنويا مكان أكثر من 56 ألف طن من الوقود الإحفوري على ما تفيد الوكالة الرسمية للتكنولوجيات.

وعلى صعيد كامل أراضي أندونيسيا التي تعتمد كثيرًا على مصادر الطاقة الاحفورية ، يعتبر خبراء ان القدرة على إنتاح الطاقة من مصادر غير تقليدية كبيرة جدا.

وفي الوقت الراهن لا تساهم مصادر الطاقة المتجددة إلا بجزء زهيد من إنتاج الكهرباء في الأرخبيل (مجموعة جزر) الواقع في جنوب شرق آسيا والذي يضم 17 ألف جزيرة ويبلغ عدد سكانه 225 مليون نسمة. إلا أن الحكومة التزمت خفض انبعاثات الغازات المسببة لمفعول الدفيئة، وتريد ان ترفع هذه المساهمة الى 25 % من مجموع الإنتاج بحلول العام 2025.

ومع أن غالبية المشاريع تتعلق بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، تندرج مبادرة كاليساري في المشاريع الخارجة عن المألوف. وثمة إندونيسيون أخرون ينتجون الطاقة من الذرة البيضاء أو من براز الحيوانات.

تجربة جذابة
في كاليساري يساهم إنتاج الغاز الحيوي بخفض الاضرار اللاحقة بالبيئة جراء انتاج التوفو. وكانت الاف الليترات من المياه المبتذلة تلقى قبل ذلك في انهر المنطقة ملوثة مجاري المياه وحقول الأرز.

ومنذ بدء الاحتفاظ بهذا السائل السميك والكريه الرائحة لاستخدامه في انتاج الغاز الحيوي أصبحت مياه النهر أكثر صفاء وتراجعت رائحتها الكريهة، على ما يؤكد مسروري.

وبات الطلب على الغاز الحيوي في كاليساري يتجاوز العرض وعلى المزارعين الراغبين في اعتماد الغاز الحيوي انتظار وصول حوض جديد.

المزيد من بوابة الوسط