«الخيارات البديلة» عن الانتخابات تؤرق الليبيين.. وفرصة أخيرة لمجلس النواب والملتقى

جلسة لملتقى الحوار السياسي لمناقشة القاعدة الدستورية للانتخابات في جنيف. (أرشيفية: البعثة الأممية)

سؤال واحد بات يؤرق الجميع في ليبيا حول الخيارات البديلة لتجاوز «الانسداد» حول القاعدة الدستورية الميسرة لإجراء الانتخابات في موعدها، منذ فشل جولة ملتقى الحوار السياسي الليبي الأخيرة في جنيف، الذي راهن عليه عدة دول، ليتبين أن «البصمة الدولية والمال السياسي» قاما بدور في تغيير جوهر الاتفاق، وسط تزايد المؤشرات السلبية بخروج أطراف فاعلة بخطاب الحرب مجددًا.

ولم يتبقَ من عمر إجراء الاستحقاق الانتخابي سوى أقل من ستة أشهر، إذ يسيطر الشك على بارقة الأمل التي تعلقت بها شريحة واسعة من الليبيين لإنهاء الانقسام المؤسساتي وأزمة الشرعية، اختزلها الاختلاف الواسع في رؤى أعضاء الملتقى بين متمسك بالمضي في الاستفتاء على الدستور الحالي قبل الذهاب إلى الانتخابات، وبين فريق آخر يطالب بتعديل الدستور الحالي أولًا ثم الاستفتاء عليه ثم الاقتراع.

وفي الوقت ذاته، هناك من يحبذون الانتخابات أولًا ثم معالجة أزمة الدستور، إلى جانب مَن يؤيد إقامة انتخابات برلمانية ورئاسية في آن واحد، وشخصيات تؤكد ضرورة الالتزام بانتخابات برلمانية فقط.

وخلف التباين المعقد، تبرز في الكواليس أسباب إصرار عدة أطراف سياسية من الأجسام الحالية على الاستفتاء على مسوَّدة الدستور الذي سيعني تمريره وضع العراقيل أمام ترشح قيادات عسكرية ومن حملة الجنسيات الأجنبية في الاستحقاقات المقبلة، لا سيما أن الشروط الخاصة بالمترشحين لمنصب رئيس الدولة شكلت لب الانسداد.

مفوضية الانتخابات تبتعد عن المناكفات وتنهي إجراءاتها
وفي سياق الفشل السياسي تكاد المفوضية العليا للانتخابات، الهيئة الوحيدة البعيدة عن المناكفات، تنتهي من الإجراءات اللوجستية غير آبهة بفشل لجنة الحوار السياسي في إنجاز القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات، حيث قامت بفتح منظومة تسجيل الناخبين.

فيما ترك رئيسها عماد السايح، نافذة أمل أخرى عن طريق تمديد تاريخ تسلم القاعدة الدستورية إلى الأول من أغسطس المقبل، بدل الأول من يوليو الجاري، حيث يتطلعون الآن، فضلًا عن البعثة الأممية لإنجاز مجلس النواب قوانين الانتخابات المطلوبة. وبحسب تقديرات المفوضية يبلغ عدد الناخبين المسجلين مليونين من أصل 4 ملايين و200 ألف يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، أي ما يعادل نحو 48%.

ولحصر الخلافات في زاوية ضيقة، ارتأت الأمم المتحدة العودة إلى «مقترح اللجنة القانونية الذي يعرف الجميع بأنه الإطار المرجعي للقاعدة الدستورية للانتخابات»، ما يعني التركيز خلال المرحلة المقبلة على النقطة التي انتهت عندها اللجنة القانونية في مايو الماضي.

ودون أن تكشف موعدًا دقيقًا لاجتماعهم، دعت أعضاء الملتقى ولجنة التوافقات المشكلة حديثًا في جنيف إلى «مواصلة التشاور فيما بينهم للتوصل إلى حل توفيقي عملي وتعزيز ما يوحدهم».

البعثة الأممية ألقت بـ«كرة» الانتخابات مجددًا في ساحة البرلمان
فيما ألقت نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جورجيت غانيون الكرة مجددًا في ساحة مجلس النواب، لكي يلعب دوره المناط به من خلال وضع القانون الانتخابي لتمكين الليبيين من ممارسة حقهم؛ غير أن الانقسام الذي يخيم على الهيئة التشريعية على غرار ملتقى الحوار قد يبدد مزيد الوقت دون اعتماد قانون انتخابي والقاعدة القانونية، انطلاقا من «الطابع الجهوي والمصالحي» الذي يطغى على البرلمان في أعقاب عدم قدرته لحد الساعة في تمرير موازنة العام الجاري.

بدوره، دعا عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني أعضاء ملتقى الحوار ولجنة التوافق ومجلس النواب إلى تحمل مسؤولياتهم لإقرار القاعدة الدستورية، والإسراع في التجهيز للانتخابات.

وفي رأي مراقبين فإن المجتمع الدولي لديه خيار آخر لدفع الأطراف الفاعلة على تقديم تنازلات مؤلمة، وهي فرض عقوبات على الجهات المعرقلة واستبدال الأعضاء الرافضين لتمرير قاعدة دستورية دون وجود مبررات مقنعة بآخرين.

شبكة مصالح معقدة
يأتي هذا بعدما تحدثت تسريبات عن تدخل شبكة مصالح معقدة و«المال الفاسد» في عملية الاتفاق على مقترحات دستورية جادت بها قريحة أعضاء اللجنة الاستشارية، بينما تبين تأثير قوى دولية بشكل سلبي على الشق الدستوري المنظم للانتخابات ممن ترى فقدان مصالحها في حال عدم ترشح موالين لها في موعد 24 ديسمبر المفترض.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في آخر اجتماع له مع نظيره التركي تشاويش أوغلو، إن بلاده مستعدة للوقوف إلى جانب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا في إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور وتنظيم الانتخابات العامة، مشددا على ضرورة إشراك كل القوى المعنية في عملية تسوية الأزمة الليبية بمن في ذلك القيادة العامة وممثلو النظام السابق.

وقررت فرنسا التركيز على الملف الليبي خلال رئاستها مجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري، في حين سيعقد في 15 يوليو الجاري اجتماع آخر على مستوى وزراء الخارجية يتعلق بتنفيذ القرارات حول ليبيا، بما فيها تنفيذ ومراقبة وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة والتحضير للانتخابات العامة.

مخاوف من عودة الحرب
وفي ظل تقلص هوامش الالتزام بالجدول الزمني لخارطة الطريق الأممية، يبرز عودة شبح الحرب بين الأطراف المتنازعة كبديل غير مرحب به.

وحضر هذا الهاجس، في تصريح رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة، خلال مقابلة تلفزيونية، قائلًا: «إن كثيرًا من الأصوات تتعالى بالحرب وتهدد بالقوة اليوم والأمس»، مضيفا أن أي حل في الملف الخارجي لا بد أن يمر عبر الليبيين، «ولذلك لا يمكن أن نكون تحت سيطرة أي جهة داخلية مدعومة من الخارج وتفتعل الحروب داخل ليبيا».

وأضاف الدبيبة، في فعالية للمفوضية العليا للانتخابات، أن الحكومة ستوفر كل الدعم لحماية الانتخابات وإعداد خطة تشمل تأهيل 30 ألف شرطي لتأمين صناديق الاقتراع، وضمان نزاهة العملية وعدم التلاعب بها.

في المقابل قال رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في كلمة مسجلة له بثتها عدد من القنوات التلفزيونية، إن «البعض يحاول عرقلة عمل المفوضية لتحقيق مكاسب على حساب الليبيين»، معربا عن أمله في أن تواصل مفوضية الانتخابات عملها لتنظيم الانتخابات في موعدها، مطالبا بتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن.

وعلى العكس وبصفته أكثر المتشددين حيال الاستفتاء توافق رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ومبعوث الولايات المتحدة الخاص وسفيرها لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، على التعجيل بإنجاز المسار الدستورين. لكن خلال محادثات مع المبعوث الأممي يان كوبيش، سلمه المشري رسالة بشأن الاعتماد على مخرجات الغردقة باعتبارها تراعي الاستفتاء على مشروع الدستور والالتزام بالمواعيد المحددة للانتخابات.

وتنص تفاهمات الغردقة المصرية المتفق عليها في 12 فبراير الماضي على صدور التعديل الدستوري بأربع مواد، تقوم على نظام الدوائر الثلاث «طرابلس، برقة، وفزان»، وتنفذ عملية الاستفتاء على الدستور، وينال المشروع ثقة الشعب إذا صوت بـ«نعم» الأغلبية المطلقة «50+1» من المقترعين بكل دائرة.

أما إذا رفض فيعاد إلى الهيئة لصياغته وعرضه على الاستفتاء خلال 30 يوما، وورد في المادة الرابعة أنه إذا تعذر إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم، ويكون نافذا بعد إقراره من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وفي هذه الحالة تجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفق هذه القاعدة الدستورية.

وتحبذ واشنطن وعدة دول والبعثة الأممية تهميش المطالبة بإجراء الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات، والتي صدرت من لجنة صياغة مشروع الدستور، وأيدها أيضًا مجلس الدولة.

المزيد من بوابة الوسط