جريدة «الوسط»: غموض وتفاؤل حذر يسبقان اجتماع جنيف

إحدى جلسات الحوار بين وفدي مجلس الدولة ومجلس النواب في المغرب، 9 سبتمبر 2020، (الإنترنت)

عاد وفدا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من المغرب إلى ليبيا على أمل تصويت أعضائها على مخرجات بوزنيقة المتعلقة بحسم ملف المناصب السيادية، وسط تأكيدات ألمانية بأن تشكيل حكومة ليبية جديدة سيحسم خلال أسابيع قليلة، يسود الغموض مجددا إجراء مناقشات سياسية في جنيف منتصف الشهر، قبل أن يتبين أنه لن ينعقد قبل الأول من نوفمبر المقبل.

ورغم التحديات الكبيرة لإقرارها كوثيقة تفتح باب «المحاصصة»، جاءت الجولة الثانية من مشاورات بوزنيقة المغربية خطوة صغيرة قد تمهد لخطوات كبرى تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي، كما قال عضو وفد مجلس النواب إدريس عمران، في كلمة باسم الوفدين: «إنهما يضعان محضري الجولتين الأولى والثانية رهن إشارة مجلس النواب والمجلس الأعلى لتجديد هياكل المؤسسات السيادية»، لافتا إلى أن العملية السياسية لا تزال تنتظر دعما واضحا وسياسيا من المجتمع الدولي.

فيما اعتبر وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في كلمة افتتح بها حفل التوقيع على محضر اتفاق بوزنيقة، أن الجولة الثانية من الحوار الليبي «انتهت إلى توافقات مهمة تم تضمينها في محضر الجولة الثانية، على أن تتم العودة إلى مؤسساتكم للمصادقة عليها، وربما استئناف هذا الحوار في القريب العاجل».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 255 من جريدة «الوسط»

وترسيم تفاهمات بوزنيقة وفق تأكيدات طرفيها، هي لتطوير المادة 15 من اتفاق الصخيرات في فقرتها الأولى، التي تنص على قيام مجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة، بالوصول إلى توافق حول شاغلي المناصب القيادية للوظائف السيادية الآتية: محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس جهاز الرقابة الإدارية، ورئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات وأعضاؤها، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام، أن منتقدي مخرجات بوزنيقة يؤكدون أن مضمون المادة المذكورة لم يشر بتاتا إلى موضوع المحاصصة.

وتوجت جلسات الحوار بالاتفاق على اختيار بنغازي مقرّاً لهيئة الرقابة الإدارية ومقر ديوان المحاسبة في طرابلس، ومقر هيئة مكافحة الفساد في سبها.

وفي وقت تنص الفقرة الثانية من المادة 15 من اتفاق الصخيرات على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لتعيين المعينين وإعفائهم من المناصب القيادية للوظائف السيادية فإن أول مشكلة تواجه إقرار هذه المسودة، الانقسام الحاصل بين مجلس النواب بين طبرق وطرابلس، وإن كان الأول من حضر كممثل للحوار في مشاورات بوزنيقة، بينما مجلس النواب المنعقد في طرابلس وهم 84 نائبا من إجمالي 188 اعترض على محادثات المغرب التي لم يكن ممثلا فيها، ما يرهن التصويت على المسودة.

المجلس الأعلى للقضاء، انتقد بشدة إقحام الجهاز القضائي في سياق المحاصصة، وأصدر الإثنين الماضي بيانا شديد اللهجة، اعتبر تفاهمات بوزنيقة فيما يتعلق بالسلطة القضائية «تدخلاً ومساساً بسيادة واستقلال هذه السلطة»، مشيرا إلى أنها «إحدى السلطات الثلاث التي ظلت موحدة ولم تنقسم». ويطرح ما سبق تساؤلات حول قدرة المجلسين في حسم الأمر وسط مهلة منحها رئيس حكومة الوفاق فائز السراج لطرفي الحوار من أجل تشكيل حكومة جديدة نهاية الشهر الجاري ليقوم هو بتقديم استقالته وتسليم المهام لرئيس حكومة جديد وسط تأكيدات من قبل الخارجية الألمانية بأن تشكيل حكومة ليبية جديدة سيحسم خلال أسابيع قليلة.

وشدد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس شأنه شأن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، على احترام حظر الأسلحة كمقدمة لأي عودة إلى مفاوضات السلام، حيث قال ماس «لن نخرج من المأزق العسكري طالما استمر تدفق الأسلحة والرجال إلى المتحاربين». بدورها قالت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني ويليامز «ما زال تدفق الأسلحة، والمعدات، والمرتزقة، مستمرًا على ليبيا من كلا الجانبين».

وتعكس تصريحات ستيفاني وليامز غموضا يكتنف مشاورات جنيف ولدى سؤالها عن إمكانية إجراء مناقشات سياسية في الـ15 من شهر أكتوبر الجاري، في جنيف، أجابت أنها تريدها «في أقرب وقت ممكن ويفضل قبل نهاية الشهر». مؤكدة أن الأمم المتحدة تعد الآن «سلسلة من الاجتماعات والمشاورات» لتسهيل استئناف المحادثات بهدف «اتفاق سياسي شامل» بعد الجولة الثانية من المباحثات في بوزنيقة قرب الرباط.

وتحدثت مصادر دبلوماسية عن احتمال نقل اجتماعات جنيف إلى جزيرة «جربة» التونسية بدعوى عراقيل لوجستية، من بينها استخراج التأشيرات للوفود الليبية.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 255 من جريدة «الوسط»

وفي سياق ليس بعيدا سرّعت واشنطن تحركاتها الدبلوماسية، للتوصل إلى اتفاق سياسي عسكري بالحرص على التعاون مع القاهرة، فيما هددت بفرض عقوبات على المعرقلين عمل المؤسسات الليبية، كما دعت إلى توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا.

لكن كل هذه التصريحات والتحركات الدبلوماسية لم تعط مؤشرات محددة أو واضحة عما يمكن أن يكون عليه اجتماع جنيف المرتقب، ومخرجاته المتوقعة، وما حقيقة ما يجري على الأرض من تمركزات عسكرية، فظل أحاديث متكررة عن تحشيدات من كلا الجانبين، وضخا للسلاح لم يتوقف، بتوقف حرب العاصمة.

وأشاد السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، الثلاثاء، بجهود القاهرة في دعم الحوار السياسي بين الليبيين، كما أعرب عن شكره لاستضافة مصر، محادثات الغردقة بين الأطراف الليبية والتي تكللت بالنجاح. منوها إلى أن زيارته القاهرة تتضمن تبادل الآراء حول أفضل السبل لدعم منتدى الحوار السياسي الليبي المرتقب. ففي نهاية سبتمبر الماضي، استضافت مدينة الغردقة المصرية، اجتماعات بين قيادات عسكرية وأمنية ليبية يمثلون شرقي وغربي البلاد، للاتفاق على المسارين العسكري والأمني، ولبحث استئناف المشاورات العسكرية.

وكان السفير الأميركي في ليبيا، التقى رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح في القاهرة حيث بحث الجانبان توحيد مؤسسات البلاد، واتفقا على وضع رقابة دولية على المصرف المركزي.

بدوره طالب وزير الخارجية المصري سامح شكري، بتنفيذ توصيات وخلاصات مؤتمر برلين جميعها دون استثناء بشأن ليبيا، معتبرا أن أي حل سياسي حقيقي في ليبيا «لا بد وأن يستند إلى رؤية وطنية وحصرية للشعب الليبي، دون إملاءات»، مشددا على ضرورة «الوقف الفوري» لجلب الإرهابيين من سورية لليبيا. وعلى خط مواز وضعت مفوضية العلاقات الخارجية الأوروبية خطة لنشر بعثة عسكرية لمراقبة وقف إطلاق النار في ليبيا وفق ما كشفت مصادر روسية.

وقالت جريدة «غازيتا رو» الروسية، الثلاثاء إن الاتحاد الأوروبي يعتزم القيام بدور أكثر نشاطا في حل النزاع الليبي. وفيما، لم يتم بعد إدخال نظام وقف إطلاق النار في البلاد في المجال القانوني على الأرجح، تأثرت رغبته بمبادرة أطراف ثالثة، وعلى وجه التحديد، روسيا وتركيا. ففي 15 و16 سبتمبر جرت محادثات روسية-تركية بشأن ليبيا في أنقرة. وتتحدث الوثيقة الخاصة بنشر مراقبين عسكريين أوروبيين في ليبيا عن إمكانية القيام بمهمة عسكرية عمادها لواءان، من خمسة إلى عشرة آلاف جندي.