ماذا بعد مبادرتي السراج وعقيلة صالح؟

فائز السراج وعقيلة صالح، (أرشيفية: الإنترنت)

إعلان رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وقف إطلاق النار الفوري أعطى آمالا جديدة بالخروج من نفق الأزمة الليبية، التي دامت وتفاقمت منذ الانقسام السياسي في العام 2014، إذ توصف خطوة الرئيسين بـ«الشجاعة»، حسب تعبير ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز، ورغم غموض مسلك المفاوضات الذي قاد نحو التوصل إلى هذين البيانين، إلا أن ترتيبات الحل في المبادرتين تؤشر -وحسب متابعين- إلى «توافق مهم» وإمكانية فعلية لكسر الحواجز والخنادق التي يتمترس وراءها كل فريق، خصوصا مع الترحيب المعلن من كل الأطراف الإقليمية والدولية بهاتين المبادرتين، والتحركات الأميركية الأخيرة للسفير الأميركي ريتشارد نورلاند، التي تعطي انطباعا بأن توافقات يجري الإعداد لها.

على نحو مفاجئ خرجت مبادرتا السراج وعقيلة يوم الجمعة الماضي، وسط غموض لا يزال يكتنف تفاصيل القرار، وردود فعل الدول الداعمة لـ«الوفاق» -وفق تعبير رئيس المؤتمر الوطني السابق، رئيس تيار «يا بلادي» نوري أبوسهمين- لكن وكالة «بلومبرغ» قالت إن الإعلان جاء في أعقاب محادثات بوساطة الأمم المتحدة في جنيف هذا الأسبوع، ومكالمة هاتفية بين وزيري الخارجية الروسي والتركي.

فيما لا يستبعد مراقبون أن تكون واشنطن قوة الدفع الرئيسية للتطورات الأخيرة، خصوصا بعد التحركات الأخيرة للسفير الأميركي ريتشارد نورلاند، الذي التقى عقيلة ومسؤولين مصريين في القاهرة، 12 أغسطس الجاري، لبحث مقترحه بشأن «حل منزوع السلاح حول سرت والجفرة، والأسبوع الماضي بحث مع ‏النائب الأول بالمجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، وقف التصعيد العسكري في مدينة سرت، كما غادر السفير الأميركي القاهرة إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث صرح من هناك بأنه ناقش مع المسؤولين الأتراك «سحب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ونزع السلاح من وسط ليبيا، وإنهاء الصراع الليبي».

أما المبادرة، كما عبر عنها الرئيسان السراج وعقيلة، فإنها تعكس اتفاقا واضحا على وقف لإطلاق النار وكل العمليات القتالية، مقرون باستئناف إنتاج وتصدير النفط، وربط التصرف في عائداته بالتوصل إلى «ترتيبات سياسية جامعة» بتعبير السراج، أو «تسوية سياسية» كما جاءت في بيان عقيلة صالح. أما بخصوص توزيع عائدات تصدير النفط، فقد أوضح السراج ضرورة إيداع «الإيرادات في حساب خاص بالمؤسسة الوطنية للنفط لدى المصرف الليبي الخارجي، وألا يتم التصرف فيها إلا بعد التوصل إلى ترتيبات سياسية جامعة، وفق مخرجات مؤتمر برلين، وبما يضمن الشفافية والحوكمة الجيدة بمساعدة البعثة الأممية والمجتمع الدولي».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 249 من جريدة «الوسط»

والترتيبات نفسها وردت في بيان عقيلة، لكنه أضاف إلى مخرجات مؤتمر برلين، «إعلان القاهرة»، مفسرا أكثر ماهية الأطراف الضامنة لتلك الترتيبات، على أن تكون «بضمانة البعثة الأممية والإدارة الأميركية والدول الداعمة لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا، وصولا إلى تحقيق العدالة والشفافية». وفيما يتعلق بخط سرت الجفرة، الذي كان محور التصعيد بما هدد باستئناف الحرب، فقد شدد السراج على «أن تحقيق وقف فعلي لإطلاق النار يقتضي أن تصبح منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، وتقوم أجهزة الشرطة من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات الأمنية داخلهما».

في حين اقترح عقيلة صالح بأن «تكون مدينة سرت مقرا موقتا للمجلس الرئاسي الجديد، يجمع كل الليبيين ويقربهم»، على أن «تقوم قوة شرطية أمنية رسمية من مختلف المناطق بتأمينها، تمهيدا لتوحيد مؤسسات الدولة كمرحلة توافقية أساسية من مراحل البناء، على أن تستكمل الترتيبات العسكرية طبقا للمسار التفاوضي (5+5) برعاية البعثة الأممية، الذي تلتزم بمخرجاته فور الاتفاق عليها وإعلانها رسميا». وأضاف عقيلة أن «وقف إطلاق النار يقطع الطريق على أي تدخلات عسكرية أجنبية، وينتهي بإخراج المرتزقة، وتفكيك الميليشيات، ليتحقق استرجاع السيادة الوطنية الكاملة».

ويبدو أن «الحل منزوع السلاح» في طريقه إلى التنفيذ، كما سوق له السفير الأميركي في ليبيا، ريتشارد نورلاند، وهو ما يتضح من ترحيب المبعوثة الأممية وليامز بالمبادرتين، التي أعربت عن أملها في أن يفضي وقف إطلاق النار إلى الإسراع في تطبيق توافقات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، و«بدء ترحيل جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الموجودة على الأراضي الليبية».

والجديد أيضا في الحراك الذي شهدته الأزمة الليبية دعوة السراج إلى «انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال شهر مارس المقبل، وفق قاعدة دستورية مناسبة يتفق عليها الليبيون»، وهنا يلاحظ أنه جرى ترك القاعدة الدستورية لما يمكن الاتفاق عليه من تسوية في المسار السياسي بين الجانبين، صحيح أن الانتخابات التي دعا إليها رئيس المجلس الرئاسي تشبه دعوات سابقة أطلقت ولم تتحقق، لكن مما يؤشر إلى إمكانية تطبيقها هذه المرة هو أن التصرف في عائدات النفط مرهون بالتوصل إلى «ترتيبات سياسية جامعة» أو «تسوية سياسية».

وفي المقابل أكد عقيلة صالح قائلا: «إننا نسعى لتجاوز الماضي وطي صفحات الصراع والاقتتال»، وتحدث عن تطلعه إلى المستقبل وبناء الدولة، وذلك «عبر عملية انتخابية طبقا للدستور، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة» ووصف هذه الدولة المنشودة بأنها «مجتمع القانون، ومجتمع التسامح الذي يقر الحق للجميع في المشاركة والتعبير عن الرأي والاختلاف بالوسائل السلمية، وإتاحة الفرص للجميع دون تهميش أو إقصاء».

بيد أن ردود على صعيد العسكريين سجلت تباينا محلوظا، إذ أكد آمر غرفة عمليات سرت والجفرة التابعة لحكومة الوفاق، العميد إبراهيم بيت المال، الامتثال إلى أوامر السراج بصفته القائد الأعلى للجيش، مطالبا قوات القيادة العامة بـ«الانسحاب الفوري من سرت والجفرة»، في حين وصف الناطق باسم القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري، مبادرة السراج، الأحد بأنها «للتسويق الإعلامي، وذر للرماد في العيون»، مشيرا إلى أنها «كتبت في عاصمة أخرى». وفي هذا السياق قال المسماري إن «هناك نقل قوات من مدينة مصراتة إلى منطقة الهيشة جنوب شرق المدينة، خصوصا بعد اجتماع عقد اليوم على تمام الساعة الـ11 صباحا، ضم نائب رئيس الأركان التركي وعددا من الضباط وقادة الميليشيات في مصراتة اجتمعوا في الكلية الجوية وقرروا الهجوم على مدينة سرت».

أما بعض الأحزاب والقبائل فلم تبالغ في ردود الفعل المرحبة بالبيانين، خصوصا في ظل سوابق محاولات تسوية باءت بالفشل، إذ عبر تحالف القوى الوطنية في بيان عن «أمله من هذه المبادرة الخطوة الأولى في العودة إلى مسارات الحل التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة، والتي أفرغت بشكل عملي في بيان برلين وأطرت بقرار مجلس الأمن رقم 2510 بتاريخ 12 فبراير 2020. فيما تمنى رئيس حزب العدالة والبناء -الذراع السياسية لجماعة الإخوان- أن يكون وقف إطلاق النار بداية لتسوية شاملة تعالج بشكل حقيقي مواضع الخلل في المراحل السابقة، بينما حث المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة على ضرورة الالتزام به وألا يكون هذا الاتفاق ضحية أو عرضة لأي خرق من أي طرف كان.

على صعيد الدولي والإقليمي، كان ترحيب السفارة الأميركية لدى ليبيا بالبيانين، الجمعة، ووصفت ما دعا إليه السراج وعقيلة بأنه «الخطوات المهمة لجميع الليبيين»، متابعة: «سيكون لدى الولايات المتحدة المزيد لتقوله قريبا»، ولم يكد يمر يومان حتى أجرى السفير نورلاند اتصالات مع السراج، وعقيلة، ووزير الخارجية المفوض محمد الطاهر سيالة، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، المهندس مصطفى صنع الله، وكان اللافت -ووفق محللين- ظهور اسم رئيس جمعية إحياء ليبيا الدكتور عارف النايض من بين قائمة السياسيين الذين تواصل معهم نورلاند، حيث بحثا «التعددية السياسية المتنامية في ليبيا»، بل وأشارت السفارة الأميركية إلى أن النايض وعقيلة صالح «وسعا نطاق الأصوات الداعية إلى حوار ليبي داخلي حقيقي لدعم حل سياسي للنزاع».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 249 من جريدة «الوسط»

اللافت أنه وبعد ساعات من اتصال السراج ونورلاند -يوم الإثنين الماضي- شدد رئيس المجلس الرئاسي على استعداده لـ«تنفيذ أي اتفاق أو حل سياسي يتم التوصل إليه، سواء عبر إجراء الانتخابات أو دونها، أو سواء كان باختيار مجلس رئاسي أو تعديله أو تقليصه أو أي خيار آخر يتم التوصل إليه»، وفي كلمة متلفزة للسراج كان الإقرار بتحمل حكومة الوفاق «نصيبا من المسؤولية» عن مآلات الأوضاع في ليبيا، باعتبارها السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، لكنه تحدث في ذات الوقت عن «عقبات تقف دون بسط السيطرة الكاملة على التراب الليبي، إضافة إلى وجود اختراقات تصل إلى درجة التخريب، والمال الفاسد المحلي والخارجي».

أما المواقف الأوروبية، فقد ركزت في مجملها على الدعوة إلى الحوار السياسي، وتأكيد ضرورة توافر الإرادة السياسية للحل، وهو المعنى الذي عبر عنه الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، الذي قال في تغريدة على «تويتر»: «من الأهمية بمكان أن يلتزم كل الأطراف بما أعلنوه. يستحق جميع الليبيين حلا سياسيا وعودة إلى الاستقرار والسلام».

إيطاليا -وفي بيان لوزارة الخارجية- اعتبرت «هذه التطورات خطوة مهمة وشجاعة باتجاه حل الأزمة»، مؤكدة أنها تضمنت التوافق على «بعض المبادئ المؤسسة لمسار مشترك لتجاوز الجمود في البلاد»، كذلك وصف رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، أن وقف إطلاق النار في ليبيا «خطوة مهمة» لاستئناف العملية السياسية في ليبيا. في توقيت متزامن فقد تلقى السراج دعوة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لزيارة باريس في اتصال هاتفي من السفيرة الفرنسية لدى ليبيا، بياتريس لوفرايير دوهيلين، بما يعطي إشارات إلى أن الإليزيه يريد أن يسجل دورا خلال المرحلة المقبلة.

ومن برلين كان التوافق مع القاهرة على «أهمية الاستفادة من تلك الخطوة المهمة للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة تستهدف استعادة الأمن والاستقرار»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزيري الخارجية الألماني هايكو ماس والمصري سامح شكري، وفق بيان للخارجية المصرية. فيما عرضت مالطا على لسان رئيسها جورج وليام فيلا «العمل كقناة اتصال لتحقيق هذا الهدف من أجل أن تبقى ليبيا موحدة».

على صعيد دول الجوار، جاء ترحيب الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، بإعلان وقف إطلاق النار وجميع العمليات العسكرية في جميع الأراضي الليبية، إذ وصفه السيسي بأنه «خطوة مهمة على طريق تحقيق التسوية السياسية، وطموحات الشعب الليبي في استعادة الاستقرار والازدهار في ليبيا، وحفظ مقدرات شعبها». في حين كان تأكيد وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، خلال اتصال هاتفي مع سيالة، الحاجة الملحة إلى تطبيق الاتفاق السياسي «بسرعة»، وفق الناطق باسم خارجية الوفاق محمد القبلاوي.

خليجيا، عبرت المواقف عن سياقات دبلوماسية بروتوكولية لا تعكس طبيعة التفاعلات في المشهد الليبي، إذ جاءت الدعوة السعودية إلى البدء في حوار سياسي داخلي بين القوى الليبية يؤسس «لحل دائم» و«يمنع التدخل الخارجي» في ليبيا، وذلك في بيان لوزارة الخارجية، فيما أعربت دولة قطر عن أملها «بأن تتجاوب كل الأطراف الليبية مع إعلان وقف إطلاق النار، والتعجيل باستكمال العملية السياسية، وفك الحصار عن حقول النفط لتستأنف الإنتاج والتصدير»، مجددة دعمها الاتفاق السياسي الليبي الموقع بمنتجع الصخيرات في المملكة المغربية في 17 ديسمبر 2015.

وفي سياق المواقف الإقليمية أيضا، كانت دعوة البرلمان العربي، في تصريحات لرئيسه الدكتور مشعل بن فهم إلى «حوار سياسي شامل، باعتباره السبيل الوحيد لخروج ليبيا من أزمتها الراهنة»، مؤكدا أن «نجاح هذا الحوار يتطلب وجود إرادة سياسية وطنية لدى الأطراف الليبية، بعيدا عن التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية»، بينما أعاد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، الحديث عن المبادرة الأفريقية للحل في ليبيا، معربا عن تطلعه لمساعدة الخطوة على تنفيذ خارطة طريق الاتحاد الأفريقي وتسهيل مبادرات الحوار.
وما بين ترحيب دولي وإقليمي حذر لمبادرتين لم تتضح مسالك الطريق الذي قاد إليهما، يبقي الترقب قائما لنتائج المباحثات التي تدور خلف الكواليس، والتي قد تخرج باتفاق يفاجئ الليبيين، سواء على صعيد إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وعائدات النفط وخطوط الهدنة، خصوصا أن الدور الأميركي بدأ يتسع في هذا السياق، وربما يدفع بشخوص أو تفاصيل جديدة إلى المشهد، ويبقى الاتفاق عليها رهن رضا قوى إقليمية في المنطقة.

المزيد من بوابة الوسط