شباب يروون لـ«الوسط» حكايات الهجرة عبر مياه «المتوسط» هربا من «بلاد لا تريدنا»

قارب مهاجرين في مياه البحر المتوسط. (أرشيفية: الإنترنت)

مدفوعين بالخوف من واقع متخم بالمشكلات، ومحمولين بأحلام في حياة عادية بعيدا عن الحروب والدمار، اختار عدد من الشباب الليبيين البحث عن فرص أخرى في الحياة، عبر هجرة البلاد وعبور مياه «المتوسط»، باحثين عن مصير يبدو مجهولا، وطريق محفوف بالمخاطر لا الورود.

محمد التاورغي «25 سنة» كان يعمل في مجمع الصناعات الصوفية بمدينة بني وليد، يقول إن الحياة لم تنصفه ولم يشعر بطعم الأمان في بلاده، ولهذا اختار طريق الهجرة، ولكن محاولته لم تنجح، وتم إرجاعه من شواطئ مدينة زوارة.

للاطلاع على العدد 274 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

استمعت «الوسط» إلى حكاية محمد الذي تحدث ضاحكا، ليقول: «أنا من تاورغاء، يعني نازح ومهجر في بلادي، يعني الهجرة خارج البلاد لم تشعرني بشيء جديد لأني ذقت طعم النزوح والنوم في الطرقات. اخترت الهجرة لعلي أجد أمنا في طرقات أوروبا أو أجد أناسا يقدرون الإنسانية. ماذا تريد من شاب في مقتبل العمر يملؤه اليأس والإحباط، فقرر الهجرة إلى أوروبا التي يراها الأمل الجديد».

«اطمأن قلبه»
وعن تفاصيل قصة محاولته الهجرة رفقة آخرين، روى التاورغي ما جرى بالقول: «اتفقت أنا وثلاثة شباب آخرين على الحرقة (مصطلح محلي يعني الهجرة غير الشرعية عبر البحر)، واتصلنا بمهرب للبشر يدعى عصام. لم يرد علينا في بداية الأمر ربما خشية وخوفا منا أو اعتقادا بأننا نتبع إحدى الجهات الأمنية، لكن بعد عدة محاولات للاتصال، اطمأن قلبه، وحدد لنا موعدا ومكانا للقاء».

ماذا جرى في لقائهم بمهرب البشر عصام، هذا ما يرويه التاورغي بالقول: «التقيناه، وطلب من كل شخص مبلغا ماليا بقيمة 3000 دينار ليبي، واتفق معنا على يوم للتنقل من مدينة بني وليد إلى مدينة زوارة، وبعد وصولنا لزوارة مكثنا يومين ننتظر انطلاق الرحلة عبر البحر، وفي ليلة ظلماء اتجهنا إلى شواطئ زوارة، وما هي إلا ساعات حتى جاءتنا قوة أمنية، وألقت القبض علينا وعرفنا حينها أنه تم بيعنا وتمت عملية النصب علينا وتسليمنا لقوة أمنية تولت بدورها عملية نقلنا إلى مركز لإيواء المهاجرين، وبعد أسبوعين تم نقلنا إلى مدينة بني وليد، وضاعت كل أحلامنا وعدنا إلى النزوح داخل الوطن».

سألناه: لو حصلت على فرصة أخرى للهجرة؛ هل ستهاجر أم أن مشروع الهجرة لم يعد يدور في بالك؟
فأجاب: «إذا كانت هناك فرصة للهجرة، فسأهاجر دون أي تردد لأنه لم يبقَ لي شيء هنا سوى بعض الذكريات». وأوضح: «من الصعب جدا أن تعيش طعم الغربة وأنت في بلدك. بلادنا لا تريدنا. الوقت ليس وقتنا، وعمرنا يضيع هنا».

وبعبارات موجعة، أجاب التاورغي عن سؤال آخر حول الذهاب إلى المجهول في حالة الهجرة، قائلاً: «عن أي موت تحكي؟! نحن في بلادنا عايشين من قلة الموت، البحر بالنسبة لي أكثر أمنا من حياة في بلاد ترفضنا، تحطم كل آمالنا وأحلامنا. أؤكد لك أن نسبة كبيرة من الشباب اليوم تفكر في الهجرة لكن الظروف حالت دون هجرتهم».
لكن من واقع تجارب الذين تمكنوا من الهجرة، فإن النجاح في عبور ضفة «المتوسط» إلى الجانب الأوروبي لا يعني لصاحبه نهاية المشكلات، بحسب ما يرويه أحد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا، ولكن السلطات الإيطالية أعادته إلى ليبيا، وهو وسام صالحين.

ويقول صالحين: «إذا وصلت سواحل أوروبا كمهاجر غير شرعي، لن تجد البساط الأحمر المفروش بالورود في انتظارك، أنت على أرض تعتبر فيها خارجا عن القانون من أول وهلة، يجب عليك أن تبقى فارا تلتفت يمينا وشمالا، عليك أن تسرق أو تنهب أو تتسول كي تأكل وتشرب، قد تنام في أي مكان تحت رحمة أي كان، ذليلا ضعيفا لا حيلة لك، أي عمل ستجده لن يكون أفضل من الأعمال التي تكبرت عليها في بلدك، وستعمل خارج القانون كاللص بلا حقوق وبلا تأمين، ستبقى كذلك باحثا عن أي حيوان تقترن به من أجل الوثائق وفقط، وقد تضطر إلى بيع كل شيء، فتتزوج امرأة لا سلطة شرعية لك عليها، وتنجب أولادا لا سلطة لك عليهم أخلاقيا ودينيا، وفي اللحظة التي تحصل فيها على الوثائق لن تفتح عليك أبواب السماء ذهبا؛ فقط يجوز لك أن تعمل بجد دون تذمر كي تعيش، لن تقطع الطريق للحصول على سكن مجاني، ولن تذهب إلى العمل في التاسعة صباحا حاملا كوب قهوة في يدك».

وأضاف وسام صالحين عن تجربته بعد العودة إلى أرض الوطن: «حين عدت إلى أرض ليبيا نسيت كل المعاناة.. نسيت الجوع والخوف والألم.. تعذبنا كثيرا من سوء المعاملة، وتذكرت قول الشاعر (بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة)، لكن اليوم فقدت الأمل نهائيا، وفقدت معه متعة الحياة. لم أعد أرغب في شيء سوى العيش في حياة كريمة، أريد أن أعيش مثلي مثل أي شاب في عمري؛ يكون لي بيت وحياة مستقلة وطفل يناديني (أبي)، لكن أعتقد أنه حلم كبير في هذه البلاد التي رفضتنا ونقلتنا إلى المجهول».

حلم لم يكتمل
بدأت رحلة وسام من بني وليد إلى طرابلس، ومن ثم إلى مدينة زوارة، في حدود منتصف الليل، رفقة آخرين حيث حملتهم شاحنة كبيرة ونقلتهم إلى الشاطئ الذي ستنطلق منه الرحلة المقررة، وكانت تلك الرحلة تضم عددا كبيرا من المهاجرين من عدة جنسيات؛ سوريين ونيجريين ويمنيين وليبيين، وركبوا جميعا في زوارق مطاطية، ثم انطلقت الرحلة عبر البحر، وبعد مرور نحو تسع ساعات وصلوا إلى إحدى الجزر الإيطالية وبقوا فيها عدة أيام، قبل أن يعاد ترحيلهم إلى ليبيا، لينتهي حلم وسام بالهجرة إلى عودته ورفاقه إلى التراب الليبي.

ويعلق وسام صالحين: «تجربة الهجرة عبر قوارب الموت ليست بالسهلة كما يعتقد البعض. وحقيقة لا أنصح أحدا بتجربتها مهما ضاقت به الدنيا. الأوضاع ليست بالأمر السهل كما يتوقع بعض الشباب. جميع الشباب الذين هاجروا كانوا يهربون من واقع أليم أو من فقر عاشوه في وطنهم، متمنين حياة كريمة، خالية من صوت البنادق والمدافع التي تقود إلى الموت».

للاطلاع على العدد 274 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ورد على ما إذا كان خطر الموت قد ساورهم خلال رحلة الهجرة أم لا، بالقول: «تظل (في الهجرة) بقعة ضوء وشعاع أمل في حياتنا أفضل من واقعنا المرير الذي كثر فيه الفساد وأصبح الإنسان لا يساوي شيئا. يظل البحر أدفأ حضنا من وطن رفض أبناءه».

وتعاني ليبيا مشكلة الهجرة غير شرعية بشكل كبير، وفي اعتقاد الكثير من المهاجرين فإن البحر هو الملاذ الأخير هربا من الوضع الأمني والاقتصادي السيئ الذي تشهده البلاد منذ بضع سنوات يعيشها الليبيون تحت وطأة أزمات لا ترحم؛ خصوصا مع استمرار الاقتتال الأهلي دون بارقة أمل في التوصل إلى حل يجمع الفرقاء حول طاولة واحدة لتفتح الطريق أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين ظروف معيشة المواطنين ليستفيدوا من موارد وخيرات بلادهم التي ينظر إليها باعتبارها من أكثر الدول العربية والأفريقية إنتاجا للنفط، ورغم ذلك تعاني مشكلات شتى في السيولة والوقود والإنارة التي تغيب عن بيوتهم لساعات طويلة بسبب سياسة طرح الأحمال التي تتبعها شركة الكهرباء في غالبية مناطق البلاد.

مهاجرون مع أحد موظفي المنظمة الدولية للهجرة. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط