دبلوماسية الـ«تفاهم» بين «الوفاق» وتركيا تفجر جدلا محليا وإقليميا

رجب إردوغان مستقبلًا فائز السراج في اسطنبول، 27 نوفمبر 2019 (المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي على فيسبوك)

اثنتا عشرة كلمة وردت في الفقرة الأخيرة من بيان المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، حول محادثاته في اسطنبول، قبل أيام، كانت كافية لإطلاق جدل متعدد الأطراف، بشكل صاخب، حول الأزمة الليبية وأبعادها الإقليمية والدولية.

تضمنت الكلمات الاثنتا عشرة التي أوردها البيان، الإعلان عن «مذكرتي تفاهم إحداها حول التعاون الأمني، والثانية مذكرة تفاهم في المجال البحري»، وقعتهما حكومة الوفاق مع تركيا، دون ورود تفاصيل عن المذكرتين.

هذا الإعلان القصير استدعى ردود فعل محلية وإقليمية متفاوتة ما بين إدانة، و تنديد حاد اللهجة، أو تحرك رسمي كما فعلت اليونان حين استدعت سفير ليبيا في أثينا، وسبقتها مصر بإصدار بيان عن وزارة الخارجية يدين هذه الخطوة..

وجاء رد الفعل اليوناني، وفق تصريح مصدر دبلوماسي لـ«بوابة الوسط» «احتجاجا على توقيع حكومة الوفاق مذكرة تفاهم مع تركيا حول «الصلاحيات البحرية». وكشف المصدر أن وزارة الخارجية اليونانية أمهلت السفير، حتى الخميس القادم، لمغادرة اليونان، إذا لم تعد حكومة الوفاق النظر في خطوتها بتوقيع المذكرة مع أنقرة.

مواقف إقليمية
وعلقت وزارة الخارجية اليونانية، الخميس، على مذكرة التفاهم بشأن المناطق البحرية التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني والحكومة التركية، مساء الأربعاء في مدينة إسطنبول بحضور الرئيس رجب طيب إردوغان ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية اليونانية، ألكساندروس ينيماتاس، ردا على سؤال أحد الصحفيين بالخصوص قائلا: «إن توقيع تركيا وليبيا على مذكرة تفاهم لا ينبغي أن يؤدي إلى انتهاك الحقوق السيادية لبلدان أخرى؛ لأن ذلك سيكون انتهاكا صارخا للقانون الدولي للبحار ولن ينتج منه أي أثر قانوني».

واعتبر الناطق باسم الخارجية اليونانية «أن هذا الإجراء لن يكون متسقا مع مبدأ حسن الجوار، الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الدول المجاورة»، وفقا لما نشره الموقع الرسمي لوزارة الخارجية اليونانية. كما أعربت مصر أمس عن إدانتها توقيع حكومة الوفاق الوطني على مذكرتي تفاهم في مجالي التعاون الأمني والمناطق البحرية مع تركيا، مؤكدة أن «مثل هذه المذكرات معدومة الأثر القانوني»، وفق بيان نشرته رئاسة مجلس الوزراء المصري.

ولم يقف التحرك المصري عند الإدانة على مستوى رئاسة الحكومة، إذ تبعه بيان من وزارة خارجيتها، أعلنت فيه إجراء الوزير سامح شكري، الخميس، اتصالا هاتفيا بكل من وزير خارجية اليونان نيكوس دندياس، ووزير خارجية قبرص نيكوس خريستودوليدس، حيث تداول مع كل منهما الإعلان عن توقيع الجانب التركي مذكرتيّ تفاهم مع السراج في مجالي التعاون الأمني والمناطق البحرية.

وقال الناطق باسم الخارجية المصرية، المستشار أحمد حافظ «إنه تم التوافق بين الوزراء على عدم وجود أي أثر قانوني لهذا الإجراء الذي لن يتم الاعتداد به لكونه يتعدى صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الليبي وفقا لاتفاق الصخيرات، فضلا عن أنه لن يؤثر على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط بأي حال من الأحوال».

«أزمة سياسية»
وفي تقرير له حول الموضوع، قال موقع التلفزيون الألماني على الإنترنت «دويتشه فيله» إن «أزمة سياسية تلوح في الأفق أطرافها متعددة بين القاهرة وأنقرة وطرابلس ليبيا ونيقوسيا وأثينا على إثر توقيع اتفاقية مثيرة للجدل بين تركيا وليبيا تضمنت تعاون أمني وترسيماً للحدود البحرية».

ووفق التقرير نفسه، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إن بلاده وقعت الاتفاقية «لحماية حقوق تركيا النابعة من القانون الدولي»، كما أورد الموقع موقف الرئاسة التركية التي قالت إن الاتفاق الخاص بالمجال البحري جاء «لحماية حقوق البلدين في السيادة على المناطق البحرية».

وفي مقابلة مع «دويتشه فيله»، رأى خبير الاقتصاد السياسي والصراع الليبي في معهد تشاثام هاوس في لندن، تيم إيتون، الاتفاقية «تأتي في الوقت الذي تتكثف في المعارك حول طرابلس، بجانب الشكوى المستمرة من حكومة الوفاق بافتقارها للأسلحة الكافية لدعم جهودها، وهو عكس ما يحدث مع جيش حفتر».

ووفق إيتون فإن تركيا «أقل نفوذاً مقارنة بالدعم السياسي الذي تلقاه الجيش الوطني الليبي من الإمارات ومصر بشكل صريح ومن فرنسا بشكل غير صريح، لذا يرى الجانبان أنهما بحاجة إلى مثل هذا الإعلان لتصبح تركيا رسمياً هي مصدر إمدادات الأسلحة في هذا الوقت الهام من الصراع». وأضاف الخبير في الشأن الليبي: «هذه الخطوة ربما تكون قد أتت أيضاً رداً على زيارة وفد من شرق ليبيا برئاسة علي الحبري»، محافظ البنك المركزي بالبيضاء، إلى اليونان، «بهدف الإعداد لخطة إعادة إعمار بنغازي ليأتي هذا الاتفاق رداً على الأمر».

ومن جانبها، أبرزت جريدة القدس العربي اللندنية تصريحات لخبراء أتراك بأن الاتفاق «من شأنه حماية حقوق تركيا ومنع اليونان وقبرص من القيام بخطوات استباقية إلى جانب أنه يتيح لتركيا التحرك عسكرياً لحماية تلك المناطق بشكل يتوافق مع الاتفاقيات الثنائية مع اليونان والقانون الدولي». الجريدة نفسها قالت إن تركيا «تقدم دعماً سياسياً وعسكرياً إلى حكومة الوفاق في طرابلس، ما مكن الأخيرة من الصمود في وجه الهجوم الذي تنفذه قوات المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس منذ أشهر».

«مخالفة للإعلان الدستوري»
محليا، أعلن مجلس النواب، الخميس، «استنكاره ورفضه الكامل» لمذكرتي التفاهم في المجالين الأمني والبحري اللتين وقعتهما حكومة الوفاق الوطني، الأربعاء مع تركيا، معتبرا أنها «مخالفة للإعلان الدستوري» والاتفاق السياسي.

وقال المجلس في بيان له: «لا يحق لحكومة السراج أو غيره توقيع أي اتفاقية مع دولة أجنبية دون موافقة واعتماد البرلمان السلطة التشريعية في البلاد»، معتبرا كذلك أن التوقيع جرى «بالمخالفة أيضاً للاتفاق السياسي غير الدستوري الذي انبثقت منه حكومة فائز السراج». ورأى مجلس النواب أن «توقيع مثل هذه الاتفاقية الباطلة بموجب الدستور والقوانين الليبية، تأتي في إطار مخالفة النظام التركي للقرارات الدولية بحظر التسليح في ليبيا واستمرارا في دعمه المعلن للميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون، ومحاولةً للالتفاف على قرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة».

وطالب المجلس الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن والمجتمع الدولي بـ«وقف التدخل التركي في ليبيا الذي يصب في مصلحة الميليشيات المسلحة والمتطرفين ولا يخدم مصلحة الشعب الليبي ولا العلاقة الثنائية بين الشعبين الليبي والتركي وإنما خدمة لميليشيات مسلحة ومتطرفين تحالف معهم فائز السراج والنظام التركي»، فيما لم تصدر ردود فعل أو توضيحات رسمية من حكومة الوفاق حول توقيعها على مذكرتي التفاهم مع تركيا.

وانقسمت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بين مرحب بالتوقيع، ومعارض له، بشكل عكس الانقسام السياسي الواقع في البلاد، فمؤيدو الحكومة الموقتة دانوا التوقيع، واعتبروه غير شرعي يصدر عن حكومة غير شرعية، بينما رحب به مناصرو حكومة الوفاق مؤكدين أنه تصرف مشروع من قبل حكومة يعترف بها الأمم المتحدة، وحاول كل فريق ربط ما أقدمت عليه حكومة الوفاق بالحرب الدائرة على التخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس منذ قرابة الثمانية أشهر، ويعتقد مؤيدو حكومة الوفاق أن توقيع مذكرتي التفاهم مع تركيا في المجالين الأمني والبحري، هو مؤشر لدعم قوي من قبل تركيا لحكومة الوفاق، في هذه الحرب.

«وعد شرف»
وقلل مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة، ووزير خارجيتها الأسبق، عبدالرحمن شلقم من أهمية التوقيع على مذكرة التفاهم في المجال البحري، ورأى أنها«من ناحية الصيغة القانونية، هي من أقل الالتزامات بين الدول . تعني وعد شرف ولا ترتب أي التزام عامل ولا تحتاج إلى مصادقة من الجهات التشريعية، ولا ترتب التزاما رسميا على الدولة الليبية».

وأضاف شلقم في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أمس الجمعة، «توقيع المذكرة في هذا التوقيت هو «خطأ سياسي، كانت هناك صيغة أخرى ـــ تبادل الرسائل ـ كانت هي الأنسب في هذا الوقت، ومازال هناك وقت للتفكير».