تحركات تونسية وأفريقية ضد تهميش جيران ليبيا

رفعت القوى الدولية الكبرى «اللبس» عن خلفيات إقصاء دول إقليمية من مؤتمر برلين حول ليبيا، بنفي تحديد تاريخ انعقاده، ولا الأطراف المشاركة فيه، وهي المبررات غير المقنعة لتونس التي تسارع الخطى لإعادة مراجعة نهجها الدبلوماسي السابق في معالجة الأزمة، عبر حملة تغييرات بحقيبتي الخارجية والدفاع، في حين قرع الاتحاد الأفريقي أبواب روسيا لوضع حد للأزمة الليبية.

وبمجرد أن أنهى وزير الخارجية التونسي المقال، خميس الجهيناوي، ندوة صحفية عقدها مع نظيره الألماني، هايكو ماس، من دون إعلام رئاستي الجمهورية والوزراء بمجرياتها، أخذ الملف الليبي منها حيزا كبيرا، حتى أعلن عن إعفائه من منصبه إلى جانب وزير الدفاع، عبدالكريم الزبيدي، وكاتب الدولة للدبلوماسية الاقتصادية، حاتم الفرجاني، المحسوب على حزب نداء تونس.

تحولات في دبلوماسية تونس
وعلى الرغم من أن ملفي الخارجية والدفاع يعدان من صميم صلاحيات الرئيس، حسب ما يحدد الدستور التونسي، فإن الجهيناوي كذب رواية رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية بشأن إعفائه من مهامه، مؤكدا أنه تقدم بالاستقالة قبل إعلان المؤسستين إقالته، كما أبدى الزبيدي تعجبه من إعلان الإقالة، مؤكدا أنه هو من طلب إعفاءه من مهمته.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 206 من جريدة «الوسط»

وتعكس الإقالات عدم رضا الرئيس قيس سعيد عن أداء الوزيرين اللذين يشرف عليهما، لمهامهما، التي ارتبطت بتركة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، خصوصا في إدارة الملف الليبي، الذي يظهر توجها نحو الابتعاد عن خيار نهج الحياد السلبي في التعامل مع مختلف الأزمات، مع أن خيارات قيس البديلة غير واضحة حتى الآن، حيث لم ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة وتعيين وزيري دفاع وخارجية ينسجمان مع توجهاته قبل إعفائهما.

ويبرز أول لقاء لـ«سعيد» مع رئيس حركة «النهضة» التونسية، راشد الغنوشي، عدم رضاه عن جهود السلطات في حلحلة الأزمة الليبية، مما ينذر بتغييرات في صلب التعاطي مع الملف، الذي أبقى تونس على هامش المبادرات الدولية، لا سيما أن تشكيل الحكومة الجديدة يفترض أن تشكلها «النهضة» باعتبارها الفائزة بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية. ووجه الغنوشي دعوة لقيس لتفعيل الاتفاقات التونسية مع الدول المغاربية وتحريك السلم في ليبيا، والقيام بدور من طرفه «باعتبار ذلك واجبا أخويا، وباعتباره سيحل كثيرا من المشكلات الاقتصادية في تونس» وفق بيان الحركة.

تحولات أعقبتها مباشرة زيارة مفاجئة لرئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، إلى تونس، أطلع خلالها قيس سعيد، على تطورات الأوضاع في ليبيا وعلى الخطوط العريضة للمبادرة التي تقدم بها لإيجاد تسوية شاملة للأزمة الليبية، ومسار وضع مسودة دستور للبلاد، إلى جانب استعراض الجهود المبذولة من أجل وقف الاقتتال والعودة سريعا إلى الحوار والتفاوض لاستئناف العملية السياسية وإيجاد حل دائم للأزمة الليبية.

وقالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد «أكد ثوابت الموقف التونسي من المسألة الليبية، و«تمسك تونس بالشرعية الدولية لإيجاد تسوية سياسية شاملة تخدم مصلحة الشعب الليبي وتحافظ على سيادته ووحدة أراضيه وتعيد الأمن والاستقرار له».

وأعرب في هذا الصدد عن أسفه لتواصل إراقة الدم الليبي، وقلقه من استمرار الأوضاع على ما هي عليه، نظرا إلى تأثيرها المباشر في الوضع في تونس وتداعياتها الخطيرة على الاستقرار في كامل المنطقة.

وهو الانطباع ذاته الذي نقله وزير الخارجية التونسي المقال لنظيره الألماني في آخر اجتماع به، إذ نوه بأن الملف الليبي أحد أهم أولوياتها، باعتبار علاقة الجوار الوثيقة التي تجمع البلدين، والتأثير المباشر للأزمة في أوضاعها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، قائلا: «يجب أن نكون طرفا في أي جهد أو أي مبادرة للتسوية من أي جهة كانت» في إشارة إلى إقصاء بلاد الجوار من مؤتمر برلين.
وندد رئيس الجزائر الموقت، عبدالقادر بن صالح، في قمة حركة عدم الانحياز المنعقدة في عاصمة أذربيجان «باكو» أخيرا بشدة «بتعدد المبادرات التي تقصي الأطراف الليبية وتهمش دول الجوار وتخلق جوا من المزايدات».

الأفارقة يقرعون أبواب روسيا
من جانبه انتقد الدبلوماسي الجزائري، مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، إسماعيل شرقي، التهميش الدولي الذي يتعرض له الأفارقة، إلى العلن، حين أكد أنه من غير المعقول استبعاد كل جيران ليبيا: تشاد والسودان والنيجر وتونس والجزائر ومصر من مؤتمر برلين المرتقب. مضيفا: «كل تلك الدول يجب أن تكون مدعوة في أي مؤتمر لأنهم يعانون من هذا الوضع أيضا». موضحا أن الاتحاد الأفريقي لم يحسم قراره بعد بشأن حضور المؤتمر.

وأمام الشكاوى الإقليمية تحاشى وزير الخارجية الألماني تأكيد أو نفي استبعاد أي طرف، مبقيا باب الغموض على تفاصيل المؤتمر بقوله «إنه لم يتم بعد تحديد تاريخ انعقاده ولا الأطراف المشاركة فيه»، مشيرا إلى انتهاج ألمانيا «نسقا تدريجيا في مبادرتها لحلحلة الأزمة الليبية، عبر جمع الأطراف المسلحة وتحييد القوى المتدخلة في ليبيا». بينما المبعوث الأممي لدى ليبيا، غسان سلامة، فسر سبب استبعاد الأطراف الليبية من المؤتمر بأنه سيركز في الأساس على «ترميم موقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من الأزمة».

مبررات لم يهضمها الاتحاد الأفريقي بعد إسقاط أعضاء بمجلس الأمن اقتراحه بشأن تعيين مبعوث خاص مشترك مع الأمم المتحدة إلى ليبيا.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 206 من جريدة «الوسط»

وفي وقت عاد الرئيس الكونغولي، دينيس ساسو نغويسو، الذي يرأس أيضا اللجنة الرفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي بشأن ليبيا، من روسيا إلى بلاده في 29 أكتوبر الماضي بعد مشاركته في قمة روسية أفريقية، مبديا رغبته في أن يكون الاتحاد جزءا من جهود إحلال السلام في ليبيا، كما طلب التحالف العسكري لدول الساحل الخمس من موسكو التشاور بشكل منتظم مع الاتحاد الأفريقي لوضع حد للأزمة الليبية، كما طلبوا الدعم الروسي لمطالب الاتحاد الأفريقي في هذا الشأن.

وألح التحالف على روسيا كي تحصل على عضوية المراقب في قوات الساحل، على الرغم من معارضة فرنسا حتى الآن هذا القرار، حيث سيمكن روسيا من تحقيق مكاسب في أفريقيا، ويعزز مكانتها في اللعبة الدبلوماسية الدولية.

وزعم الرئيس التشادي، إدريس ديبي، أن الدول المتأثرة بالتهديد الإرهابي الذي فجرته الأزمة الليبية تنفق ما بين 18 و32% من ميزانيتها السنوية على الجهد الأمني.

المزيد من بوابة الوسط