ألغام على طريق المرحلة الانتقالية بعد ليلة تنحي بوتفليقة

خلفت استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بعد عشرين سنة من الحكم، ألغامًا قانونية وسياسية على طريق المرحلة الانتقالية التي بدأت عقب تنحيه، في وقت احتفى الشارع بتحقيق مطلبه الأول يبقى إكثر إصرارًا على محاسبة كافة رموز نظامه وإبعاد المقربين منه من المشهد السياسي.

وتوجه الأنظار حاليًا في الجزائر إلى مبنى المجلس الدستوري بالعاصمة، حيث اجتمع أعضاؤه وجوبًا بعد استقالة بوتفليقة لإثبات حالة الشغور النهائي. وهي الخطوة التي تضمنتها الفقرة الرابعة من المادة 102 من الدستور، التي تنص على أنه «في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الدستوري وجوبًا، ويثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية».

وتُـبلغ فورًا شهادة التصريح بالشغور النهائي إلى البرلمان الذي يجتمع وجوبًا.

تنحية بن صالح
ويتولى رئيس مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) مهام رئيس الدولة، لمدة أقصاها تسعون (90) يومًا، تُنظم خلالها انتخابات رئاسية. استقالة بوتفليقة جاءت تحت ضغط من الشارع، ومن قيادة أركان الجيش الجزائري، حين أكدت في عدة بيانات، أن الحل لا بد أن يكون في إطار الدستور، مبعدة خيار إكمال ولايته حتى 28 أبريل، وترك البلاد في فراغ دستوري والرحيل.

ومهد قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، لتسوية الأزمة السياسية بدعوته تفعيل المواد 102 و7 و8 من الدستور، والمادتين الأخيرتين تتحدثان عن أن الشعب هو مصدر السلطات، ما يجزم بتنحية رئيس مجلس الأمة الجزائري عبد القادر بن صالح واختيار شخصية أخرى توافقية لقيادة المرحلة الانتقالية، على اعتبار أن بن صالح لم يلقَ إجماع الجزائريين، في ظل الرفض الشعبي والسياسي لتولي أحد رموز نظام بوتفليقة السلطة، إلى جانب رفض الشارع حكومة تصريف الأعمال التي ستشرف على المرحلة الانتقالية.

والأحد، عين الرئيس الجزائري حكومة جديدة برئاسة وزير داخليته السابق، نور الدين بدوي، وتضم وزراء أغلبهم تكنوقراط، لكنهم محسوبون عليه وعلى المحيط الرئاسي. لكن المادة 104 من الدستور تنص على أنه «لا يمكن أن تُـقال أو تعدل الحكومة القائمة إبان حصول المانع لرئيس الجمهورية، أو وفاته، أو استقالته، حتى يشرع رئيس الجمهورية الجديد في ممارسة مهامه».

وألمح قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، في بيان سابق لوزارة الدفاع إلى رفض قرارات صدرت مؤخرًا من الرئاسة، باعتبار مصدرها مجهولًا رغم أنها نُسبت للرئيس. ما يعكس توجهًا لسحب الثقة من هذه الحكومة المرفوضة شعبيًّا ولدى المعارضة، الأمر الذي يشكل لغمًا أمام المرحلة الانتقالية، خاصة أنها ستتولى وفق الدستور الإشراف على انتخاب خليفة بوتفليقة بعد ثلاثة أشهر.

بدء محاسبة «العصابة»
وينتظر الجزائريون أيضًا مطلب آخر رفعه الشارع، يكمن بمحاسبة كافة رموز النظام على خلفية نهبهم المال العام، وهي مسألة تطرقت إليها قيادة أركان الجيش لأول مرة منذ انطلاق الحراك الشعبي، حين وصفتهم بـ«العصابة» وذلك في الاجتماع العسكري الثاني، الذي ضم قيادات أركان الجيش وتمت فيه الدعوة إلى تنحي بوتفليقة فورًا عن السلطة.

وشدد البيان، الصادر عنها على «ضمان أمن واستقرار البلاد وحماية الشعب من العصابة التي استولت بغير وجه حق على مقدرات الشعب الجزائري، وهي الآن بصدد الالتفاف على مطالبه المشروعة من خلال اعتماد مخططات مشبوهة، ترمي إلى زعزعة استقرار البلاد والدفع بها نحو الوقوع في فخ الفراغ الدستوري».

وأصدر اليوم الأربعاء القضاء الجزائري 134 قرار منع سفر احترازيًّا طال سياسيين ورجال أعمال. وتضم القائمة سياسيين ورجال أعمال ومتهمين سابقين في قضايا شركة النفط، من بينهم مدير «سوناطراك» للمحروقات، الذي مُنع من السفر للمشاركة في مؤتمر دولي للغاز بالصين، إضافة إلى مديري مؤسسات إعلامية ومساهمين فيها وولاة وأبنائهم.

ونشرت النيابة العامة في وقت سابق بيانًا صحفيًّا عن الشروع في تحقيقات ابتدائية. وكان رجل الأعمال، علي حداد، المقرب من شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة مثل، ليلة الأربعاء، أمام قاضي التحقيق بمحكمة بئر مراد رايس، بتهمة حيازته ثلاثة جوازات سفر بطريقة غير قانونية ليحوَّل إلى الحبس الاحتياطي مدة 30 يومًا.

سلطة الظل
وتبقى أهم المطالب المرفوعة في الشارع عقب رحيل إنهاء عهد سلطة الظل، أو القوى غير الدستورية التي ظلت تحكم لسنوات من خلف الستار من ضمنهم شقيقا الرئيس ورجال أعمال ضالعون في الفساد.

وتحرك مواطنون جزائريون، أمس، لتسجيل أول شكوى لدى جهاز القضاء، ضد السعيد بوتفليقة شقيق رئيس الجزائر السابق بتهمة التخابر لصالح قوى أجنبية، والسطو على ختم الرئاسة، وانتحال صفة رئيس الدولة، وإصداره قرارات باسم عبد العزيز بوتفليقة، بالموازاة مع إعلان قوى معارضة رفضها كل القرارات والبيانات التي صدرت أخيرًا باسم الرئيس أو الرئاسة.

وخرج ليلة سقوط بوتفليقة آلاف الجزائريين للاحتفال بالخطوة الأولى نحو التغيير الجذري للنظام، بينما يتوعدون بمواصلة الاحتجاجات إلى غاية تغيير كل المقربين من السلطة والشخصيات المعروفة في النظام.

المزيد من بوابة الوسط