مسلسل جرائم وأخطاء أميركية نحن ندفع ثمنه

جهاد الخازن |
جهاد الخازن

الولايات المتحدة مارست التعذيب خلافاً للقوانين الأميركية والدولية في معتقل غوانتانامو وفي سجون سرية أدارتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) في دول أجنبية. لم أكن بحاجة إلى تقرير في حوالى 500 صفحة عن تقرير للكونغرس في ستة آلاف صفحة يستند إلى أكثر من ستة ملايين وثيقة للاستخبارات لأعرف أن إدارة بوش الابن أشرفت على تعذيب المعتقلين. التعذيب اعترف به باراك أوباما ووزير العدل اريك هولدر ورئيس «سي آي أي» الأسبق ليون بانيتا. بل أن السيناتور الجمهوري جون ماكين اعترف به.

المسؤولية عن التعذيب يتحملها جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني لأنهما أشرفا على التنفيذ، ومعهما جورج تينيت الذي أمر «سي آي أي» بممارسة التعذيب، ومايكل هايدن، رئيس «سي آي أي» في حينه، ودونالد رامسفيلد الذي أعطى تفويض استعمال التعذيب في معتقل غوانتانامو، وأيضاً ديفيد أدنغتون وجون يو وجاي بايبي الذين كتبوا التبرير القانوني (الخاطئ جداً) لممارسة التعذيب.

أمامي سجل يجمع أهم أحداث غوانتانامو منذ بدء إرسال المعتقلين إليه سنة 2001، ولا تخلو صفحة من حادث انتحار (ثلاثة انتحروا معاً) بعد تعرض المعتقلين للتعذيب بإغراقهم بالماء حتى يعتقد الواحد منهم أنه سيُقتَل غرقاً، أو بالحرمان من النوم، أو تسليط موسيقى عالية عليهم، وأحياناً ضربهم يوماً بعد يوم حتى يفقدوا رشدهم. قرأت أن المتهم العشرين في إرهاب 11/9/2001 أمِرَ بارتداء صديرية والرقص ككلب وهو مقيَّد من عنقه ومع ذلك المحققون العسكريون أصرّوا على أن معاملته لم تكن تعذيباً. أزعم أن كل نزلاء المعتقل، وقد بلغ مجموعهم 759 رجلاً، عُذبوا. والمعتقل لا يزال مفتوحاً مع أن باراك أوباما أعلن في 22/1/2009 أن المعتقل سيُقفل خلال سنة، وهو أصدر قرارات لاحقة تقول إن المعتقل لن يغلَق كما وعد. المعتقلون أضربوا عن الطعام في أوائل شباط (فبراير) الماضي وردت السلطات بإطعامهم بالرغم منهم، عن طريق أنابيب في الأنف وغير ذلك من وسائل مؤلمة إلى درجة أن تكون تعذيباً. ولا ننسى التعذيب في سجن أبو غريب وسجون أخرى أدارها الأميركيون في الشرق الأوسط.

أهم ما في التقرير الموجز الذي وزِّع الثلثاء عن التقرير الكامل أن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي هي التي أعدته، وأعضاؤها والمحققون الذين ساعدوهم قرروا أن «سي آي أي» مارست التعذيب وكذبت على البيت الأبيض والكونغرس، وأن التعذيب لم يفدْ، فهو لم يؤدِ إلى الحصول على معلومات منعت إرهاباً لاحقاً، مع أن هذا ما زعم كبار موظفي «سي آي أي» فكانت كذبة أخرى تُضاف إلى جبل الكذب الذي استعملوه لكتم مخالفتهم نصّ الدستور الأميركي وروحه، وكل قانون دولي عن التعذيب.

طبعاً كل ما سبق ما كان ممكناً لولا تواطؤ أركان إدارة بوش الابن في عمليات التعذيب. جورج دبليو بوش أحمق جاهل يستطيع محامو الدفاع عنه أن يزعموا في محكمة أنه مجنون لمنع إدانته. غير أن تشيني ورامسفيلد عمِلا لبناء امبراطورية تحكم العالم وهو حلم مريض بعد عقود من زوال الاستعمار. هما تواطآ مع المحافظين الجدد الذين حكموا باسم بوش الابن، وكان هدفهم الأول والأخير الدفاع عن إسرائيل وفرضها على دول الشرق الأوسط قوة نووية وحيدة تهدد القريب والبعيد.

النتيجة كانت وضع الولايات المتحدة على حافة الإفلاس كما رأينا سنة 2008 وجرّ بقية العالم معها، وصعود باراك أوباما إلى الرئاسة ليكون أول رئيس أسود. هو أخطأ عندما قال «ننظر إلى الأمام»، ولم يحاول أن يُحاسِب أحداً على جريمته، والنتيجة أن الجمهوريين فازوا في انتخابات مجلسي الكونغرس الشهر الماضي ليعطلوا آخر سنتين من ولاية أوباما الثانية.

هو مسلسل جرائم وأخطاء ونحن ندفع الثمن كل مرة... كالعادة.

(عن صحيفة الحياه اللندنية)

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات