لبنان... خريطة العرب الكبرى

عبدالرحمن شلقم |
عبدالرحمن شلقم

الأوطان لا تقاس بالمساحات أو بكتل البشر التي تعيش فوقها. للمكان عبقرية وله أيضاً تكوين، وللناس كيمياء تصنعها مواد التاريخ ومسارب الحياة.

لبنان، شريحة صغيرة من الأرض، لكنه مجلدات في مكتبة العرب بل والعالم. سويسرا الدولة الأوروبية الحبيسة التي لا تملك منفذاً على البحر ذات المساحة الصغيرة تتكون من جنسيات أربع، كل لها لغتها وثقافتها، وتنتمي في ذلك إلى دول مجاورة. تحاربت الدول التي ترتبط بها هذه المكونات تاريخياً وعرقياً وثقافياً، لكن سويسرا الدولة أسست ثقافة وطنية شاملة صلبة «نأت» بنفسها عن الحروب والصراعات التي توالدت واتسعت في القارة الأوروبية. شخصيات أوروبية كثيرة أسهمت في تأسيس الفكر النهضوي الحداثي في القرنين التاسع عشر والعشرين. لبنان مكون صغير جغرافياً وسكانياً، متنوع على غرار الكيان السويسري، مختلف طائفياً، لكنه متوحد لغوياً وثقافياً. مشكلة لبنان وميزته، أن رأسه أكبر من جسده. الفينيقيون أسسوا التاريخ ورسموا جغرافيا الزمان. إلى اليوم عرقهم ينبض في أجزاء من المشرق والمغرب العربي وجزر البحر الأبيض المتوسط؛ مالطة وصقلية وسردينيا وقبرص. أعطوا للدولة الرومانية التي سادت العالم إمبراطوراً حاكماً وفاتحاً، سبتيموس سيفروس الليبي الفينيقي. إلى اليوم يصدر لبنان إلى أميركا اللاتينية رؤساء وأغنياء، وإلى أميركا الشمالية علماء وسياسيين ومليونيرات.

لبنان الحديث، لم يغبْ عن أي تغيير وتطوير في العالم العربي. المسيحيون اللبنانيون وعلى رأسهم رجال الدين قاموا بدور محوري في الحفاظ على اللغة العربية طوال حقبة الهيمنة التركية. أسس اللبنانيون المدرسة الصحافية الحديثة في الوطن العربي، ودورهم في المسرح والسينما شكل نقلة باهرة لم يغبْ أثرها إلى اليوم.

بعد استقلال عدد من الدول العربية منتصف القرن الماضي، شهدت المنطقة تحولات صنعت مسارات سياسية وفكرية متضاربة. حرب السويس كانت مهد حقبة. برز تيار قومي ناصري اصطدم بسياسات دولية في خضم الحرب الباردة، انعكست في ترتيبات عسكرية وسياسية إقليمية ودولية من حلف بغداد إلى الوحدة السورية المصرية وانقلاب عبد الكريم قاسم بالعراق وحرب اليمن وقبلها الثورة الجزائرية. ساد مفهوم المحورين العربي، اليمين واليسار.

كان لبنان هو الرصيف الذي يعرض فوقه كل تيار بضاعته، وكانت أزمة العام الثامن والخمسين من القرن الماضي بلبنان، إذ أنزلت القوات الأميركية. لبنان يظهر جسده وملامحه كل أعراض ما يعانيه الجسد العربي. القضية الفلسطينية دخلت مرحلتها أو لنقل مسارها السياسي الحاسم بعد معاركها في بيروت ضد القوات الإسرائيلية، صارت قضية يركض إليها العالم بعدما كانت قليلة الحضور فوق موائد الكبار.
بعد حرب الأيام الستة وانكسار العرب أمام إسرائيل، تغير كثير من المفاهيم النظرية والخيارات السياسية العربية.

الدول التي كانت الأنظمة التي تحمل العناوين التقدمية، مصر وسوريا المنكسرة أمام إسرائيل وجدت المساندة من المعسكر الذي كانت تطلق عليه كلمة «رجعي»، سارعت السعودية والكويت وليبيا بتقديم دعم مالي لدول المواجهة في قرارات قمة الخرطوم بعد النكسة.

بعد مرحلة الاستقلالات العربية، قامت أنظمة ملكية وأخرى جمهورية. في لبنان تأسس نظام له تكوين خاص وفق تفاهم بين القوى السياسية الأساسية. رئيس جمهورية مسيحي ماروني، رئيس حكومة مسلم سني، ورئيس برلمان مسلم شيعي. هذا التشكيل الذي لا يقابله مثيل في كل الدول العربية المستقلة، كان الإبداع اللبناني الذي يوازي الإبداعات الأخرى في الفكر والفن وصناعة التاريخ وترتيب الجغرافيا.
قال حكيم سياسي لاتيني: «المكسيك بعيدة عن الله، قريبة من أميركا».

هل ينطبق هذا القول على لبنان وسوريا؟ في كل محطات التاريخ اللبنانية كانت اليد السورية ترسم وتفعل. الحرب الأهلية التي اندلعت منتصف سبعينات القرن الماضي، كانت لسوريا يد في الحطب واللهب، قاتلت وقتلت في كل أنحاء لبنان، تدخلت في القرارات والمسارات العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية وفي ترتيبات تعيين رؤساء الجمهورية والحكومة. مؤتمر الطائف أنهى الحرب الأهلية وأنتج جمهورية لبنانية جديدة بمعمار قديم. دفع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري دمه ليتحقق حلم اللبنانيين في التحرر من الهيمنة السورية. سوريا لم تعترف عملياً بالدولة اللبنانية إلا بعد عقود من قيامها، لم تتبادل معها التمثيل الدبلوماسي إلا في السنوات الأخيرة، تعاملت معها كجمهورية موز أو جمهورية أرز وحديقة جانبية لها. اعتقد الكثيرون أن استقرار لبنان مقبل بعد زوال الوجود السوري العسكري على الأرض، لكن نتوءاً خارقاً حارقاً تمدد بشكل خافت في البداية داخل لبنان، هو ذاك الإيراني. بعد تسيّد الملالي الحكم في إيران بزعامة الخميني، تغيرت كل المعادلات في لبنان. اعتمدت الدولة الجديدة في إيران مبدأ تصدير الثورة الإيرانية في إناء طائفي. موانئي الاستقبال على امتداد العالم العربي بعض الموالين لإيران في لبنان.

تغير دور بيروت الذي قامت به عبر عقود الاهتزازات الفكرية والسياسية التي شهدها العرب. المرة الأولى التي يدخل فيها المضمار اللبناني كيان غير عربي، يفرض بضاعته بقوة المال والسلاح وفي بازار طائفي يحمل يافطة فاقعة لا مراء فيها. البضاعة عابرة للحدود، لبنان يستقبل ويوطن ويعيد تصدير البضاعة الطائفية الإيرانية. السياسة لها مواسم وفصول مثل الزراعة، لا يمكن زراعة القمح في الصيف. الإيرانيون يرون أن ما يمر به العالم العربي يفتح الباب لها لدخول العقول، ومنها إلى الأرض والسلطة والهيمنة وتحقيق المشروع الفارسي الحالم بإقامة الإمبراطورية الإسلامية الثالثة بعد العربية والعثمانية التركية.

طرق حزب الله باب الناس بيد مكتوب عليها - المقاومة - أي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. صفق له الكثيرون، لكن القناع الطائفي بدأ في السقوط بعد تدخله المكشوف مع النظام السوري ضد الثورة السورية، صارت المواجهة ليست مع إسرائيل، بل مع العرب السنة، فتحاً لباب المشروع الإيراني الطائفي. التدخل في العراق واليمن أكمل ملامح وجه حزب الله.

هناك من قال يوماً إن قوة لبنان تكمن في ضعفه. قد يكون الأمر كذلك أو عكسه. لكن الحقيقة التي يؤكدها التاريخ أن قوة لبنان تكمن في قوة تكوينه المتنوع المبدع. اختارته إيران ليكون المنصة التي تتحرك منها نحو مسارات تقود للسيطرة على العالم العربي، لكن لبنان سيكون الهاوية التي يتردى فيها المشروع الإيراني. لبنان عصارة الزمن المركزة، مساحته لا تقاس بالكيلومترات وشعبه لا يحسب بالعدد.
عن صحيفة الشرق الأوسط

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات