Atwasat

المفتي وتوطين العلم أولاً (1)

سالم العوكلي الثلاثاء 13 يناير 2026, 10:59 مساء
سالم العوكلي

عندما حاول أحد المواطنين الليبيين أن يصنع طائرة عمودية بدائية من الخردة تلقفت الصحف آنذاك الخبر ونشرته كأنه ابتكار جديد. حدث هذا بعد ظهور طائرات الأباتشي والكوبرا، فما سر هذا الاحتفاء بالمحاولة؟

هل كان وراء ذلك محاولة لتوطين العلم عبر تسلق النخلة من الأسفل؟ أم أن هذا يأتي ضمن منظور التعبير الشعبي الدارج (البصيص في بلاد العميان طرفة)، وهل لهذا علاقة بمقارنة محمد المفتي بين ما شاهده في مدينة ليدز وما في ذاكرته من صور استخراج الملح من سباخ بنغازي، وطاحونة الجمل في شارع المهدوي، وتسلق النخيل في اللثامة كما ورد في مقدمته لكتابه (توطين العلم والتقنية.. الطموح والواقع) الصادر عن الهيئة القومية للبحث العلمي؛ وهو كتاب بحثي مهم أتذكر أننا اعتمدناه كأحد المراجع الأساسية في اشتغالنا على مشروع «ليبيا 2025 .. رؤية اسشرافية»، ولكونه ـ وفق ظني ـ أول كتاب فكري ينضم إلى مكتبتنا الوطنية منطلقاً من منهاج التفكير العلمي التجريبي والحلول الإجرائية، والأهم من ذلك أنه يضع الإصبع على الجرح الدامي في تكوين العقل المسؤول عن تراكم أزماتنا وتكرار أخطائنا.

ينطلق المفتي في الفصل الأول من كتابه عبر سرد أركيولوجي لسيرة الاكتشافات العلمية الفاتحة في الغرب، باعتماده المألوف على روح البحث، وتوظيف الوقائع التاريخية، وموازنته الحاذقة بين حقول المعرفة المختلفة في تطورها المتناغم مع الدين والعلم والفلسفة والفن. وإذا كان بعض المفكرين يعتبرون أن الصدمات المهمة التي تعرض لها العقل الغربي تتمثل في إنجازات فرويد وكوبرنيكوس وداروين، فإن المفتي يعتبر النقلات المهمة كانت مع لوثر المصلح الديني، ونيوتن وديكارت، واكتشاف المحرك البخاري، وهي النقلات المتوازنة التي كانت تهيئ المجتمع لقابلية الحراك الاجتماعي وتطور العقل العلمي والتقني الذي لم يكن بمعزل عن مصادرات العقل النقدي المحاذي له بأطروحاته الأخلاقية من المذهب الرومانسي إلى فلسفة الأخلاق، والفوضوية، والعبث، وصولاً إلى خطاب ما بعد الحداثة المعاصر وجداله النقدي بشأن العالم وأخلاقيته.

ينحاز المفتي إلى توطين العلم والتقنية كأساس لأي مشروع نهضوي ويفسر بالمقابل أزمتنا بكوننا مجتمعاً استهلاكياً (ويبقى السؤال عن ماهية الاستهلاك المنتج الذي يتطور حسب النظريات الاقتصادية العلمية ويراكم خبراته الكفيلة بخلق مؤسساتها الفاعلة، فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية مثلا ليس في تاريخها اختراعات مهمة، لكنها استطاعت أن تطور أنماطها الاستهلاكية بشكل يضعها في صميم السوق والحداثة عبر المشاركة الفعلية في توسيع وتطوير الاختراعات الغربية. أتساءل أيضاً ماذا لو ولدت عبقريات مثل نيوتن وديكارت وانشتاين وغيرها في منطقتنا؟ ما يحيلنا إلى أهمية المناخ العام الذي تولد فيه العبقريات.

فهل نحتاج إلى لوثر إسلامي؟ أو بمعنى آخر لماذا أخفق لدينا مشروع الإمام الغزالي الإصلاحي الذي يقارنه المفتي كظاهرة بلوثر؟ ذاهباً إلى أن «جوهر الإصلاح اللوثري يكمن في إقرار أن الإيمان مسألة خاصة وشخصية، وأنه ليس من حق البابا أو القسيس أن يشكك في إيمان أحد أو أن يكفره أو يعاقبه، وبهذه الروح استطاعت البروتستانتية التعايش مع العلم الجديد ومع قيم التسامح والديمقراطية ..».

«تلك عناصر الإبداع العلمي.. عقول ذكية، تنمو كما البراعم على سيقان نبتة.. قد تثريها شرارة برق بالغيث والسماد، لكن لا غنى عن تربة خصبة»، بهذه العبارة ينهي محمد المفتي الفصل الثاني من كتابه، وهو الفصل الذي يرصد فيه ميكانيزمات الإبداع العلمي الذي يعتبره قابلاً للتحليل من أجل اكتشاف عناصره ومراحله أكثر من الإبداع الأدبي، محاولاً أن يحصر هذه الآليات في مسميات تنقل هذا الحقل البرهاني إلى حقول الأدب بما فيها من غموض المصادر وسحرية الأداء، وإصباغ الجو السحري والدرامي عليها.

يتساءل: هل هو الإلهام أو الصدفة أو الاستبصار أو لأن الحاجة أم الاختراع، ما كان وراء ومضات العلم والاكتشافات المفصلية؟ وفي الوقت الذي لا يقلل فيه من شأن كل هذه العناصر المرتبطة بإمكانات العقل الإنساني إلا أنه يرى أن هذه الإشراقات لا بد وأن تولد في مناخ لا يجعلها تنطفئ «نعم يلعب الخيال وبارقة الإلهام التي تمنح الحل الصحيح دورهما في عملية الإبداع العلمي، لكن إشراقة الإلهام لا تأتي إلا للعقل المهيأ والملم بمادة موضوعه، وهذا الإلمام يفترض خبرة ودربة من خلال الدرس والتحصيل والإصرار والانقطاع الذي يقارب الوسواس القهري هو الذي كرس صورة العالِم المهموم بنظريته إلى حد الجنون» أو بمعنى آخر إن العالِم الذي يملك هذه المقومات لا يمكن أن يبصر أبعد مما رأى غيره إلا بوقوفه على أكتاف عمالقة سبقوه كما يستشهد بعبارة نيوتن.

ولا ينفك المفتي يلح على أهمية البيئة التي يولد فيها المبدع أو العالم مثيراً نفس السؤال الجدلي الذي لا ينفك يجر معه الأسئلة الصغيرة ويتورم عبر الكتاب مثل كرة الثلج: من أين نبدأ؟ وهل توطين العلم هو الذي يخلق البيئة المناسبة لتطوره أم البيئة المناسبة هي التي ستعمل على توطين العلم؟ وهل كلمة توطين ستنسحب على قيم نهضوية أخرى مثل التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها من المفردات الحضارية التي ما زالت تدور داخل شبكة هذا الجدل؟ وهل المناهج التي درسناها والكوادر الفنية التي جرى إعدادها والتقنية التي أصبحت جزءاً من حياتنا ما زالت بعيدة عن هذا المفهوم وإنه علينا أن نبدأ من جديد؟ وهل هجرة العقول ناتجة عن تعاملنا الاستهلاكي مع ما تنتجه العقول الغربية من علوم وإبداع وتقنية دون التفكير في توطين هذه المنتجات؟ ويستمر توالد الأسئلة رغم عدم وضوح المقصود بمصطلح التوطين ومدى تشاكله مع تكوين العقل العلمي.

لقد أحال الصادق النيهوم في مقالته (أين خسرنا ولماذا) المنشورة بمجلة الناقد اللندنية كل أزماتنا إلى تاريخ المصرف الحر، واضعاً المسألة الاقتصادية في واجهة عناصر النهضة، بينما جل الفكر النهضوي العربي يحيل إلى عدم علمنة المؤسسات التي يجب أن تقود عبر نخبها المستنيرة مجتمعاتنا. المفتي يضع مشروعه الأساسي (توطين العلم) في صدارة عوامل النهضة والتقدم مع إشارته المهمة التي تأتي في أماكن عدة لتأثير ظاهرة لوثر في تطور ذهنية الغرب وآلية تفكيره. ويستمر السؤال المُلح: من أين نبدأ وكيف؟ إذا كنا مصرين حتى الآن عن البحث عن البداية في الألفية الثالثة.

إن التراكم المعرفي الذي يشكل خاصية المجتمع القابل للتطور يبقى الوسيلة المهمة لوضع الأسئلة المفصلية في مختبر العقل الشغوف بمزيد من المعرفة وبمزيد من الرغبة لتحويله كجهاز في خدمة الإنسان وتطور أنماط حياته، وحسب أطروحة المفتي فإن هذا التراكم لا يمكن أن يتم إلا عبر توطين العلم والتقنية، ومفردة توطين تعني حسب سياقها الفكري الذي تتكرر فيه بديلاً للاستهلاك أو التوريد أو العلاقة العابرة معها والتي لا تثير سوى الدهشة والإعجاب، وهي علاقة ميتافيزيقية تجعلنا نكتفي بقولنا سبحان الله أمام كل اختراع جديد .. علاقة بعيدة عن التساؤل والابتكار وشغف الضلوع في معرفتها وبالتالي الإسهام في إنتاجها أو تطويرها أو الدخول إلى مغامرات العقل الاختراعية وملكاته الاستبصارية والإلهامية، لكن الكشوفات والاختراعات كما يقول المفتي: «لا تحدث بسبب هذه الملكات فقط، فلا بد من العقل المدرب، ولا بد من بيئة علمية تطرح التساؤلات وتتيح النقاش وتوفر إمكانات البحث، ولهذا نقول إن الإبداع العلمي ظاهرة اجتماعية تراكمية» وهذه العبارة الأخيرة التي تعتبر الإبداع العلمي ظاهرة اجتماعية تضعنا هي أيضاً في مأزق منهجي إذا ما اعتبرنا الشعوذة والظلامية هي في مجملها ظواهر اجتماعية، فالتطور العلمي والتقني الذي أنجزته النخب المختلفة في المجتمعات المتطورة لم يكن في بدايته ظاهرة اجتماعية، لكن تأثيره التحديثي المتوازي مع تأثير الحداثة التي تتم في مجالات الأدب والفكر والفن سيتحول إلى ظاهرة اجتماعية تعكس مفهوم توطين العلم في علاقة المجتمع بالتقنية وفي قدرته على التعامل مع الآلة والزمن والمكان.

يصبح العلم حاضراً في المطبخ وطريقة الأكل وعناصر الوقاية والسير في الطرقات والذي في مجمله يشكل ما أسميناه العقل العلمي الذي يمنعنا من تكوين رأي حول قضايا لا نفهمها كما يقول باشلار، فالإنسان المدفوع بالعقل العلمي يرغب دونما شك في أن يعرف ولكن لكي يحسن التساؤل والاستجواب معاً... يتبع.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»