تمتد الأرض وتتنوع الجغرافيا ويتغير المناخ وفق موقعنا من الكرة الأرضية. يعم الرفاه والطمأنينة سكان مناطق بعينها، بينما تغرق مناطق أخرى في صراعات وحروب ويفنى بعضهم البعض وكأن عقلية داحس والغبراء تتكرر، فلا الإنسانية ولا الحقوق والعيش المشترك عرف لها طريقاً.
لا تزال الخصال البدائية الأولى من حب الغلبة والسيطرة والتملك هي الخصال المسيطرة، دون رقي فكري يغلب المصلحة العامة ويطرح خيار التنازل الفردي من أجل مصلحة المجموع.
الأمن وتطبيق العدالة واستيفاء الحقوق ليست هبة لمنطقة محددة أو جغرافيا بعينها، إنها حصاد عمل ودأب وتعاون مشترك امتد عبر السنين بين السكان فوق أراض عرفت معنى العيش المشترك.
بعد 178 يوماً أمضاها رائد الفضاء «رون غارن» في رحلته الفضائية، عاد إلينا بمفهوم يرتكز على التحول الذهني في المفاهيم، وهو يبدو بديهياً، ولكنه أكثر عمقاً، كونه جاء من شاهد عيان. بدأ كوكبنا من بعيد لرائد الفضاء، ككرة زرقاء معلقة في ظلام الكون. ضعيفة، هشة، محاطة بغلاف جوي رقيق يشبه الحلقة. هذا الغلاف الجوي يعتمد عليه كل ما يتنفس ويعيش على الكوكب، وهو في حقيقته طبقة رقيقة تدور حول كوكبنا.
ما خلص إليه رائد الفضاء، أن البشرية جمعاء سجينة في هذه الكرة وتشترك في نظامها الواحد، وتتقاسم معاً موارد مكان واحد، وتنمو على غلاف جوي واحد، فلا مكان آخر للهروب ولا موطن احتياطي للفرار تحت أي ظروف تطال الكوكب. من هنا فإن الأهمية الأولى هي المحافظة على هذا الكوكب وتطويره واستثمار خيراته وموارده الاستثمار الأمثل.
ينظر للنمو الاقتصادي على أنه المحرك الرئيسي للتنافس على الموارد. الصراع دائماً ما يدور حول الاقتصاد. لكن الإدراك لمدى هشاشة الأرض والوعي بأهمية القوانين العادلة التي تنظم الحياة على الكوكب يقلب سلم الأولويات، فتتصدر سلامة الكوكب ثم تقوية النسيج المجتمعي ليأتي الاقتصاد في مرتبة أدنى كتحصيل حاصل، وفق الإدراك الفطري السليم. هذا ما تبناه رائد الفضاء بعد مراقبته للأرض عن بعد.
الدول التي حققت الازدهار ووضعت القوانين الضامنة للحقوق والمساوية في إتاحة الفرص، أدركت أهمية العيش المشترك وأهمية الإنسان بالدرجة الأولى، فجعلت الأهمية للقوانين والدساتير الناظمة للحياة ثم أصلحت بنيتها التحتية لتسهيل حياة القاطنين في تلك الدول. شعوبنا لا تعرف حقوقها وإن عرفت فلا تعرف وسيلة للمطالبة بها، ومن بيده القرار في دول كبلادنا ما زال يعمق الشرخ ويزيد الهوة بين الناس من أجل تحقيق مصالح فردية. لا يدخل العقل والتطوير وسلم الأولويات وفق ضرورات الحياة المتغيرة، إنما حب السلطة وغلبة القبيلة على الاستحواذ.
البناء يبدأ بالقواعد، والقاعدة هي الإدراك العام بالبداية الصحيحة وتغليب المصلحة العامة. إدراك السكان بحقوقهم والتوافق حولها والمطالبة بها، من حيث الوطن أولاً وأهمية القوانين الناظمة للحياة المشتركة في وطننا الواحد. هذا التشبث بالقبيلة والخوف المتأصل من الذوبان في الوطن الكلي يكبل الناس في جل مناطق البلاد وكأن الدولة الواحدة استعمار يشتت الذهنية المتأصلة التي اعتاد العقل الجمعي عليها، كأن الدولة الواحدة استعمار يعادي القبيلة ويلغي قوانينها وينهي وجودها.
تظل المحاصصة باسم القبيلة والمنطقة وسيلة لغلبة المصالح الخاصة وتكريس الفساد تحت غطاء الحصص. المحاصصة تستبعد الكفاءات ممن ليست لهم قبيلة تضمن نصابها، ويصل لدواليب الدولة العليا الكفاءات الأقل تحت مسمى حصة القبيلة. المتشبث بحصة القبيلة هو من أحسن استغلالها للحصول على فوائد شخصية آنية على حساب المجموع الكلي.
الهوية الجامعة للوطن الواحد هي الهدف الأول نحو البداية الصحيحة. والهوية الجامعة تحتاج عقول تتدبر وبرامج عمل مكثفة وصبر دؤوب لتكون غاية، ويكون لنا وطن كما تكون الأوطان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات