1-
رفض إدريس السنوسي كزعيم لليبيا في غرب البلاد، كان منذ فترة مبكرة أي أيام الاحتلال الإيطالي الأولي، لكن في الوقت نفسه كان هناك قبول للفكرة أساسا، أي زعامته لليبيا، وهناك أكثر من مبايعة له من غرب ليبيا، أشهرها مؤتمر غريان كما أتذكر العام 1920م.
وهذا تذكره الكثير من المصادر التاريخية وقبل الوثائق وهو معروف لأي مهتم. وموضوعة قبول فكرة الزعامة هي اللافتة للنظر، لأن فكرة الرفض من طبائع الأمور: فكرة القبول المبدئي بأن إدريس السنوسي، المتفق حول زعامته في الشرق، يكون زعيما لليبيا وقائدا سياسيا في الغرب موضوعة صعبة، لأن الغرب به حشد من الزعامات المتفرقة!، ومتعدد المناطق والنفوذ، وخلف ذلك كثافة سكانية ومجتمع زراعي قوي في البلاد.
وهذه الزعامات والنواحي المتعددة دخلت في نزاعات وصلت إلى الصدام المسلح من أجل الزعامة، وعلّ هذا مما كان دافعا لفكرة زعامة إدريس السنوسي، كحل وسط لغرب ليبيا المتنازع والمتعدد القوى. وهكذا إذا ما أشرنا لرفضه كزعيم فلا بد أن نعلل موضوعة الرفض بنقيضها أي القبول، بمعنى أن إدريس السنوسي لم يكن يملك القوى إلا من ضعف زعماء الغرب متعددي المشارب.
هذه الحقيقة المغيبة هي الأهم، وملخصها: أن قبول إدريس السنوسي كزعيم أهم من أنه كان مرفوضا، ذا ما دفعه لإعلان إقامة الدولة العربية الثامنة «إمارة برقة»، إعلان الإمارة عمل سياسي تكتيكي، أسهم بشكل كبير في قبوله من قبل الأطراف التي كانت ترفضه في الغرب، هم من فشلوا في الحصول على زعامة الغرب هذا.
2-
لا أعتقد أن الصوفية أو الأيديولوجية الدينية عموما وحتى السنوسية، كانت أداة الدولة الليبية غب تأسيسها، واني اعتبر زعيم ومؤسس الدولة الليبية الحديثة إدريس السنوسي رجل دولة مدني، وإن كان في أواخر عمره أمسى صوفيا. وأشير إلى أن إدريس السنوسي عاش شبابه في القاهرة، المدينة الإقليمية التي كانت حينها زاخرة بالنهضة الفكرية والأفكار الثورية والعلمانية منها، وكان إدريس على علاقة جيدة بهذه الأوساط وله صالون أدبي وكتب الشعر، وصوره في تلكم الفترة توضح علاقته بالموضة كشاب متفرنج.
وأذكر أنه كانت له علاقة، وقد ذكرتها صاحبة الشأن في مذكراتها: تذكر أبكار السقاف أنها عاشت علاقة حب مع الأمير إدريس السنوسي، في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الماضي، وأنه أثناء هذه العلاقة تبادلا الرسائل وكتب قصائد غزلية فيها، وأن العلاقة قد ترسمت حين قام الأمير بخطبتها، لكنَّ هناك ظروفا عرقلتها ولم يتم الزواج، دون أن توضح أسباب ذلك، المهم لعل مما عرقل الزواج - في تقديري- أن أبكار السقاف اليمنية ابنة الأسرة البارزة الهاربة من اليمن، كانت دارسة وباحثة في علم مقارنة الأديان، وتتردد على الصالونات الثقافية -منها صالون عباس محمود العقاد من أشار لذلك- والأهم أن الأستاذة في علم مقارنة الأديان من لها كتب وبحوث في المجال كانت علمانية متطرفة!.
هذا مؤشر على تكوين الرجل الأمير إدريس السنوسي، مؤسس الدولة الليبية من فصل الدولة عن الحركة السنوسية، بل وفصل نفسه وحتى دخل في صدام مع أسرته الطامعة في ملكه.
يمكن القول إن هذا الرجل وضع لبنة دولة مدنية، علاقتها بالدين وبالتصوف من مقتضى الحال، أضيف أن الدولة كانت تزخر بحريات ثقافية ذات طبيعة ليبرالية. ومن مؤشرات ذاك: أن رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» التي نوهت بها جائزة نوبل، هذه الرواية التي كانت ممنوعة في مصر في عهد عبد الناصر وما بعده، في ليبيا الإدريس مسموح بها، مع البيان الشيوعي لماركس وفي ظلال القرآن لسيد قطب. وأتذكر واقعة رواها لي الراحل الأستاذ الشاعر رجب الماجري قال: حين كنت وزيرا للعدل في العهد الملكي جاءني وفد أمازيغي يريد منى أن يكون لهم قاضٍ أمازيغي، أجبته إننا دولة مسلمة لا مذهب لها.
3-
هكذا أعتقد أن الدين أساسا لم يكن له دور سياسي في تلكم المرحلة، باستثناء جماعة الإخوان وما انبثق عنها، وعليه لم يكن لأي مذهب ديني كالإباضية أي دور. والدولة الليبية حينها كمجمل المنطقة تهيمن عليها الحركات الوطنية والأيديولوجية القومية ذات البعد العلماني. ولعل مبعث الحركات الأمازيغية هو هذا أي أن ما بعث الأمازيغية هو البعث العربي: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، من هذا استقت الأمازيغية روحها وليس من المذهب الديني الإباضية، وحتى الساعة الحركة الأمازيغية هدفها مركزه اللغة التي هي دعاوى قومية.
وهذه المقاربة تبين أن شخصية إدريس السنوسي، استثنائية ضمن المعطى الليبي العام ، لكن على إطار النخبة ينتمي إلى عصره العربي والإقليمي، ما كان يمور بمعطيات نهضوية ثقافية وجو-سياسية، فالعصر عصر تحرر، والقاهرة حيث عاش إدريس شبابه عاصمة إقليمية ومحط حركة تنويرية باختلاف تياراتها. ومن هذا كان رفاق الأمير إدريس ومعاضدوه من ليبيي المهجر صنو، كبشير السعداوي، الزعيم السياسي الذي كان مقيما في دمشق جناح النهضة العربية، الزعيم القوى من أسهم بقوة في غرب البلاد في الحراك السياسي، الذي كان اللبنة الرئيسة في تأسيس المملكة الليبية وأن يكون الأمير محمد إدريس السنوسي ملكها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات