Atwasat

حين يصبح مُحررُ الأخبار الخبر

جمعة بوكليب الأربعاء 19 يونيو 2024, 08:09 مساء
جمعة بوكليب

هاتفني صديقٌ لي، ذات مساء، ليبلغني إصابته مؤخراً بحالة اكتئاب نفسي شديد، أربك حياته، وأثّر سلبياً على علاقته بأفراد أسرته الأقربين، وبزملائه في العمل، وبأصدقائه المقرّبين، وبجيرانه. واستناداً إليه، فإنه يرجّع سبب الاكتئاب إلى عمله في المجال الإعلامي سنوات طويلة، وتحديداً في مجال رصد وصياغة الأخبار.

وأن يقرر صديقي اعتزال عمله في قسم تحرير الأخبار، أو يتخذ ما يراه مناسباً من قرارات تخصُّ حياته، فذلك شأنه الخاص، وتلك حياته الشخصية. وعلاقة الصداقة التي تربطني به، لا تسمح لي بالتدخل فيما يتخذه من قرارات، ذات صلة مباشرة بحياته هو وبعمله وبأسرته، عملا بالمثل الشعبي القائل: «كل إيد تمسح على وجهها». هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، فإن قراره بالتوقف عن العمل، برهان على عدم توازنه نفسياً، مما قد يؤكد إصابته بحالة الاكتئاب الشديد، حسب وصفه. ومع ذلك، ليس بمقدوري فعل شيء، حتى مجرد تقديم نصيحة صغيرة. فمن كان إناؤه، مثل إنائي، مليئا حتى الحافة، ليس بوسعه تقديم النصح لآخرين.

صديقي، رغم سنوات صداقتنا الطويلة، لم يستشرني، في الماضي، حين اتخذ قراراً بدراسة الإعلام أكاديمياً، وكان بمقدوره التوجه لتخصصات أكاديمية أخرى. ثم من قال إن تشخيصه لسبب الاكتئاب الذي أصابه صحيح. وعلى سبيل المثال، لماذا لا يكون السبب شيئا آخر؟ هناك مليون سبب آخر كفيل كل واحد منها، بإصابة نصف سكان العالم بالاكتئاب وليس هو فقط. ولو كنتُ مكانه لسارعت بعرض نفسي على طبيب مختص، لعله يساعدني على معرفة السبب ويصف لي الدواء. لكن صديقي على ما يبدو، اختار أن يكون الطبيب والمريض في الوقت ذاته. وليس من السهل لفت نظره إلى هذه النقطة، أو محاولة إقناعه بأنه ليس طبيبا نفسانياً.

ورغم ذلك، أنا واثق من حقيقة مهمة، وهي أن مهنة صديقي في مجال الإعلام، وفي قسم الأخبار خصوصاً، لا بد أن يكون لها آثار جانبية سلبية نفسانياً على المدى الطويل. وإذا كنّا نحن من المتابعين للأخبار كثيراً ما نصاب بحالة من القرف لا يمكن وصفها، ونحسُّ بأعراض اليأس والإحباط من جراء ما يحدث في العالم من بلاوٍ ومصائب وكوارث وحروب، ونقرر التوقف مؤقتاً عن المتابعة تفادياً لما هو أسوأ صحياً، إذاً، ما بالك بالعاملين في ذلك القطاع، وهم يستقبلون كل يوم مئات الأخبار من شتّى بقاع الأرض، وليس فيها ما يفرح القلوب، أو يدخل الطمأنينة والسكينة إليها.

هناك كثيرون يرون أن كل مهنة تؤثر- سلباً وإيجاباً- في العاملين بها، بعد فترة من الوقت. وأنا أعتقد أن ضارب الطبل ونافخ المزمار في الأفراح، مثلاً، ليس من السهل إصابتهما باكتئاب، مقارنة بمحرر في قسم أخبار، بصحيفة أو مجلة أو قناة تلفزيونية أو إذاعة مسموعة، لمدة عشرين عاماً. وبالتالي، فحين ينتهي ضارب الطبل وعازف المزمار من حفل عرس، ينتقلان إلى حفل عرس آخر. أي أنهما ينتقلان من بهجة إلى بهجة. وفي الوقت ذاته، يذهب العاملون في أقسام الأخبار إلى أعمالهم، ويبدأون يومهم ويختمونه وهم يتعاملون مع أخبار تتعلق بمصائب وكوارث طبيعية أو بشرية وبمذابح وحروب، وقتل وتدمير وتهديد ووعيد وفضائح فساد وخيانات على كل المستويات. وبمرور الوقت، يزداد ضارب الطبل وعازف المزمار عمراً وبهجة وانتشاء بالحياة، ويشتهران في الناس، في حين أن محرري الأخبار، مثل صديقي، تقصر أعمارهم وتذوي حيواتهم كل يوم، ويزدادون بمرور الوقت تشاؤماً وإحباطا من الحياة، ويكونون عرضة للإصابة بالاكتئاب على مختلف درجاته. وهذا أولاً.

أما ثانياً، هناك كثير من المهن التي تصنّف خطرة، ولها تأثيرات جانبية على صحة العاملين بها، ولذلك السبب يفرض قانون العمل على المؤسسات والشركات منح العاملين علاوة خطر شهرية، وتوفير تأمين صحي لهم. وللأسف فإن مهنة تحرير الأخبار لا تصنّف تحت خانة الخطر. ولا يمنح العاملون بها علاوات خطر، أو يوفر لهم تأمين صحي!

مسكين صديقي. بدلاً من صياغة أخبار الآخرين، صارت حالته النفسانية الصحية خبراً يتناقله الأقربون إليه من أفراد أسرته، ويردده بقلق زملاؤه في العمل، وأصدقاؤه وجيرانه.