Atwasat

حكايات عن الأضاحي

سالم العوكلي الثلاثاء 18 يونيو 2024, 06:30 مساء
سالم العوكلي

قبل هذا العيد بيومين بعثت ابني ليستطلع أحوال سوق الأضاحي، ولم يرد علي بعد جولته، لكنه نشر إدراجاً نصه: «الزباين يتفرجوا عالسعي، والتجار يتفرجوا عالزباين، والسعي مش فاهم شي». ومن خلال الإدراج عرفت حال السوق والناس المصدومين في مجتمع الفُرجة، وتداعت ذكريات العيد القديمة حين كنا نضحي بشاة من قطيعنا الخاص، وتكون عادة عنزةً بالغة وسمينة، سيتحول معظم لحمها الوافر إلى قديد يكفينا حتى العيد المقبل في وقت لم تتوافر فيه الثلاجات. غير أن التضحية بالماعز التي كانت منتشرة في محيطي آنذاك توقفت تقريباً، وأصبحت محل هزؤ ومجلبة للعار في ثقافة التفاخر بالقرابين.

وأذكر أن لوحةً وفدت، وقتها، كانت معلقة على جدار بيتنا القديم تجسد هذه اللحظة الحرجة التي يسند فيها سيدنا إبراهيم ابنه كي يذبحه، محدقا إلى أعلى في ملاك هابط وهو ممسك بكبش أسطوري، ليفدي به الابن المستسلم للأمر، وربما خيال هذا الرسام هو ما جعل الناس يتوقفون عن ذبح الماعز، والبحث عن خروف شبيه بالذي في اللوحة مهما كان سعره.

بعد الزواج استقللت بأضحيتي الخاصة، وصادف هذا الاستقلال زمناً صعباً كانت فيه الرواتب الهزيلة تتأخر شهورا متتابعة، وما يزيد صعوبة العجز الأطفال وهم يترقبون والدهم القادر على كل شيء ليحضر لهم الخروف مثل بقية الأطفال، وتحول هذا المنسك مع الوقت إلى طقس اجتماعي استعراضي يتنافس فيه الميسورون على تقديم الأضحية الأفضل وزنا وقوة وجمالاً. أما نحن فكنا ننتظر حتى الوقت الأخير من ليلة العيد على أمل أن تنخفض الأسعار، ولن نضطر حينها إلى الخيارات الصعبة، لأن ما تبقى في السوق هو حثالة الخرفان الضعيفة الهزيلة آملين أن يقدر الله ظروفنا ويتقبلها، وأحيانا يأتي الخروف العاجز حتى عن الصياح بعد نوم الأطفال، ولن تتاح لهم فرصة رؤيته إلا وهو مسنود صباح العيد قرب «الفتاشة» والسكين على رقبته.

ومنذ صغرنا كان طقس إيقاظ الأطفال ليحضروا عملية الذبح بالكامل جزءاً من طقوس هذا العيد التي لا بد منها، مع أن المجتمعات التي درست تأثير مثل هذه المشاهد على نفسية الأطفال بدأت تحذفه حتى من الصور أو المشاهد التلفزيونية. لكن ما كان يلفت نظري أن فرحة الأطفال، الذكور خصوصاً، بنافورة الدم التي تنبثق من عنق الخروف فرحةٌ لا تضاهي. أما أنا الذي كنت أوصف بالجبن، وتربطني علاقة يومية بالأضحية مذ كانت «طفلة» في القطيع الذي أرعاه، فكنت لا أستطيع حضور الذبح، وما زال هذا الشعور، الذي يسمونه في ذلك الوقت جبناً ونوعاً من الخنوثة غير المحببة في المجتمع الذكوري، يلاحقني حتى الآن.

حين عاد ابني سألته عن السوق، فقال لي إنه كابوس بالنسبة لمن يحضرون أبناءهم، ويعودون حزانى دون أضاحٍ لا يقدرون على ثمنها، ولحظتها تذكرت أني في وقت ما كنت أبعث كل عيد أضحى، أو كما نسميه شعبياً «عيد اللحم»، تهنئةً تقول «كابوس إبراهيم تحوَّل إلى عيد، وعيدنا تحول إلى كابوس».

العام 1996 وجّه عاهل المغرب، الحسن الثاني، رسالة إلى الشعب المغربي تدفع إلى قرار إلغاء ذبح الأضاحي بسبب سنوات الجفاف، وارتفاع الأسعار الذي سيؤثر على ذوي الدخل المحدود. وقرر الملك أن يذبح كبشاً نيابة عن الأمة، وصادف أن قضيت أحد أعياد الأضحى في المغرب، وله حكاية تختلط فيها المزحة مع الشعر مع السياسة، حيث شاركت العام 2006 في المهرجان الدولي للشعر الذي أقيم في أواخر ديسمبر بالعاصمة الموريتانية (نواكشوط) تحت شعار «من أجل تواصل بين الثقافات»، الذي افتتحته وزيرة الثقافة والشباب بموريتانيا، آنذاك، السيدة مهلة أحمد، التي قالت ضمن كلمتها أن لقاء نواكشوط الدولي للشعر «يعتبر خطوة جديدة تهدف إلى إخراج الشعر الموريتاني من عصر الانحطاط الذي يتردى فيه، والنهوض به إلى مرتبة جديدة تليق بالشعر والشعراء في بلد المليون شاعر».

شارك في المهرجان، الذي أقيم لأمسياته سرادق كبير كان مكتظا برواد الشعر من الجنسين حتى ساعات الليل الأخيرة، أكثر من خمسين شاعرا من ثلاثين دولة، وتخللته ندوات صباحية عدة في قضايا الشعر المختلفة.

ثاني أيام المهرجان وصل الشاعر العراقي عبد الرازق عبد الواحد ليجد في استقباله في المطار المئات من البعثيين الموريتانيين، وتحول المهرجان في كثير من أوقاته لحدث سياسي عبرت عنه قصائده في مديح صدام حسين الذي كان وقتها في السجن محكوماً عليه بالإعدام. وعلى الرغم من أن مديح الوهم يكتسب طعم المرثية، لكن ما استفزني في إحدى الندوات أنه ألقى قصيدة في مديح صدام، وختمها بهجاء مقذع للشعر الحديث، فانفعلت وطلبت كلمة، قلت ضمنها: «سأفترض أن ما قاله الشاعر الكبير عبد الواحد عبد الرازق عن القصيدة النثرية صحيحاً، كونها لا تمت للشعر بصلة، ومرتبطة بالاستلاب وبمخابرات الدنيا وبالمؤامرة على وجدان الأمة ..إلخ، لكن ستظل فضيلة قصيدة النثر كونها لا تمدح الطغاة أو بالأحرى غير صالحة لمديح الطغاة، فالأمر متعلق بالجوهر الأخلاقي للفنون وليس بمجرد الشكل، لأن الشاعر الذي يمدح مستبداً يؤلم ويجرح ضحايا هذا المستبد من أمهات ثكلهن وأطفال يتمهم».

بعد مشاركتي في مهرجان نواكشوط انتقلت إلى مراكش، لإقامة ثلاث أمسيات شعرية كان قد نسقها أصدقائي الشاعران نورالدين بازين ورشيد منسوم، والقاص محمد شويكة. وقبل عيد الأضحى بيومين ألححت على أصدقائي كي نخرج مساء في نزهة إلى الغابة المحيطة بمراكش، وبعد قليل رن هاتف أحد الأصدقاء، وكنا قريبين من ورطته وهو يحاول أن يقنع زوجته، التي يبدو أنها بعثته لسوق الأضاحي، بأنه موجود هناك، وكان يردد: أنا في السوق، وحين لاحظنا ارتباكه دعمناه بما نستطيعه من تقليد صوت صياح الخرفان دعما لكذبته، وحين انتهى شكرنا على هذا الدعم بالمؤثرات الصوتية.

انتقلت في اليوم التالي، الموافق يوم الوقوف على عرفة، إلى الدار البيضاء، الذي كان يوافق 30 ديسمبر 2006، ذلك العيد الشهير الذي وافق احتفالات رأس السنة، ويوم إعدام صدام حسين الذي أزعج وجدان الكثير من المسلمين. حجزت في فندق عتيق بشارع محمد الخامس كان يخيم عليه صمت رهيب، لأكتشف أني أنا الساكن الوحيد في الفندق مع سائحة هرمة في الطابق الأعلى.

الساعة السادسة صباحا أيقظتني أصوات عالية لارتطام أشياء بأرضية الشارع، نهضت لأسأل موظف الاستقبال عما يحدث، فقال لي بلهجة مغربية فهمت منها أن هذا لزوم العيد. وحين خرجت للشارع لأستطلع المشهد، كان الشبان يلقون من فوق سطوح العمارات بقايا الأخشاب وقطع الحديد في الشارع تجهيزا للاحتفال.

لسنين طويلة، كانت فتوى الملك الحسن الثاني تعمل، وبعد تسلم ابنه محمد السادس مقاليد الملك عاد في سياق برنامجه الإصلاحي ليسمح للناس بتقديم أضاحيهم، لذلك بدأ الكرنفال يخرج عن طوره، وكأنه تعويض عن سنين سابقة لم يخرج فيها دخان الشواء سوى من القصر.

بعد الإفطار خرجت للتسكع في شوارع المدينة التي بدت هامدة، ولا شيء يتحرك فيها سوى ألسنة دخان تتصاعد في كل مكان، ورائحة الدهن والصوف المحروق التي غزت كل جزء فيها، وعلى ناصية الشوارع كان الشباب يضعون أحجاراً تحت أسِرّة حديدية قديمة أُشعِلت أسفلها نيران من بقايا الأخشاب، وفوق شبك الأَسرّة كانت رؤوس الأكباش وأرجلها تُشوى في كل شارع تقريباً من شوارع الدار البيضاء. فكرت في مصير هذه الفوضى الشاملة، وهذه الأرصفة الأنيقة في أحد أجمل شوارع المدينة الذي تحول إلى ممر زلق من بقايا الدهون والفحم والرماد والأخشاب المحروقة والأحجار السوداء، وهكذا كان حال كل الشوارع تقريبا.

اتصل بي الصديق مصطفى بازين، شقيق الشاعر نور الدين، مصراً على دعوتي للاحتفال بالعيد مع أسرته في مدينة المحمدية خارج الدار البيضاء. وحين عدت ليلاً من المحمدية، كان جيش من عمال النظافة ومن سيارات الإطفاء يغسلون شوارع الدار البيضاء بالصابون، وفي صباح اليوم التالي عادت المدينة كما كانت وكأن شيئا لم يحدث.

كما عيد الفطر الفائت، يواكب عيد الأضحى هذا العام حرب الإبادة في غزة، حيث يضحى بشعب كامل على مرأى العالم المرتبك، وصباح العيد الكئيب كنت أقلب القنوات وأتسقط الأخبار: «نازحة من غزة تعرض كليتيها للبيع من أجل إنقاذ أبنائها من الجوع.. اجتياحات متواصلة صباح العيد من قِبل العصابات الصهيونية للمخيمات والأحياء في غزة والضفة.. قتل وتدمير بيوت واعتقالات.. حجاج بيت الله الحرام يرمون اليوم الجمرات الثلاثة فى أول أيام التشريق»، وفكرت أن شياطين الأرض كلها تعقد اجتماعاً في وزارة الحرب الصهيونية. وخبر آخر طريف: «قررت محطة راديو «فرانس إنتر» طرد الفكاهي الفرنسي غيوم موريس، الثلاثاء 11 يونيو، وذلك بسبب إلقائه نكتة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو»، وكانت النكتة تقول: «عيد الهالوين يقترب، وبدأ الناس يبحثون عن أزياء تنكرية تبعث الخوف، وفي هذه اللحظة يوجد زي نتنياهو الذي يثير الخوف، ويشبه نازياً لكن دون قلفة».