Atwasat

فلسطين القيامة الآن!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 18 يونيو 2024, 05:34 مساء
أحمد الفيتوري

- عيد بأي حال عدت يا عيد، نكرر لازمة المتنبي هذه في كل عيد منذ سنوات طوال، لأن ما نعيش وما نشاهد أن العالم يتقلب على صفيح ساخن ولا يتغير، أو على الأقل هكذا نظن، فما يحدث يتكرر ولا جديد فيه، غير أن ما كان سوف يكون، أو هكذا يبدو. شاغل العالم اليوم العدوان الإمبريالي الصهيوني وأحلافهم على غزة، واليوم عيد عند المسلمين عيد الضحايا من الأغنام وفي غزة من البشر ما يتكرر لتسعة أشهر مضت، ويستعيد الرئيس العجوز الأميركي مشاهده كل لحظة، في محاولة لإعادة مشروع إبادة الشعب الفلسطيني، شعب الجبابرة أو العنقاء التي تنهض من الرماد، هذه الحرب المستعادة من يوم إعلان تأسيس دولة لليهود الصهاينة في 15 مايو 1945م.

الحقيقة التي تُخفيها الأخبار المتكررة، أن العالم يتغير، لذا فإن العالم في عنق الزجاجة، ومن سيمياء التغير، هذه العلامات الدالة: تكرار المشهد، التعصي والصعوبة، حالة محلك سرّ، التقدم إلى الخلف، الأنظمة الميتة الحية، كل هاته العلامات وغيرها، تؤشر على أن عنق الزجاجة، المرحلة الأخيرة، التي يرقص الماضي فيها، رقصة الديك المذبوح.

حرب غزة تستمر وأوضاع العالم تتعقد، مع انهيار القديم دون جديد واضح، الجديد ما لا نتبين، ما يحدث دون أن ندرك، ما تحمله الأخبار اليومية المكررة، وما أُسه أننا نعيش (عالم في عنق زجاجة). وأميركا المضطربة، تجُول الرُقعة في حالة سكر، تقود الحرب ضد حماس بحماس لا نظير له، تتبعها بريطانيا مثل كلب ضال، كما فرنسا التي كأنها، تستعيدُ عقد الستينيات من القرن العشرين، أما روسيا فغاصت في أوحال أوكرانيا، وغير هذا في العالم، من تفاصيل الحدث الأكبر: القيامة الآن.

2- لست على بينة لمَ أتذكر في هذا الحال رواية «كرسي الرئاسة» للـروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس، من يبدأ روايته: «اليوم وللمرة الأولى، انتصرت المباديء، ربما كهدية للجماهير المضطربة، بمناسبة حلول عام 2020 الجديد، قرر الرئيس أن يقدم شيئًا من الرضى الأخلاقي، ففي الرسالة التي وجهها إلى الكونغرس، دعا إلى انسحاب قوات الاحتلال الأميركية من كولومبيا، كما دعا وقف تصدير النفط المكسيكي إلى الولايات المتحدة. وترتب على ذلك أن نُظم الاتصالات في البلد، قد قُطعت مع سائر أرجاء العالم، وأصبحوا بدون فاكسات، أو بريد إلكتروني، أو إنترنت أو خدمة هاتف، ولم يعد لديهم سوى شكلين، من أشكال الاتصال المتاحة الآن، الشفهية والرسائل، وسرعان ما يبرز المتنافسون، الذين يسعون للاستيلاء على السلطة، من خلال الرسائل التي يتبادلونها».

هذا الحدث، بنى عليه الروائي المكسيكي روايته، التي تقع أحداثها عام 2020م، وكان كتب ذلك قبل نحو العقدين من أحداث الرواية، ولقد اعتقد أنه يتخيل، ما سيحدث في ألفية قادمة، ولم تُكذبْ مخياله الأحداث، وكأنما في هذه اللحظة الاستثنائية، يأتي الواقع من الرواية، حيث يتعطل كل شيء على أن يكون، فهذه العطالة السيمياء الرئيسة للتغيير، ونحن في حالة ملاحظة للظاهرة التي نعيشها، لا يمكن لنا إدراك ما تغير، تغمرنا التفاصيل ونغرق في اليمّ، وكأن وضعية عالم اليوم، كما عالم، ما بين الحربين العظميين: الأولى والثانية.

الظرف الذي نعيش، يتجلى (ما بين بين)، حيث عالم يحتضر، وعالم يولد مصحوب بتعسر في الولادة، ولذا ما يموت يُرى، عكس ما يُولد، وفي تقديري أن ذلك، يوضحه مسرود «كارلوس فوينتيس»، من في «كرسي الرئاسة»، سرد صيرورة النهاية، دون إشارة واضحة أو إيماء لبداية ما، وفي هذا نحن كما الكاتب، نعيش نهاية متمثلة في (عالم في عنق حرب).

3- بغض النظر، عما تؤول إليه، الأحداث المشار إليها وما شابه، فهي جزئية في الأخير، تؤشر وتوكد أنها حجرة في الماء الراكد، ما نتج عن الحرب الكبرى الثانية، عصر الذرة فالرقمية، وكل السرديات الكبرى، هذا العصر ما حدث فيه، مقداره وكثافته تُعادل ما حدث في التاريخ الإنساني الحديث، وقد استنفد عصارته، فأصابه الوهن وشاخ. وهذا أُس ما فيه العالم اليوم، ما يعيش سكرات الموت، وما لم ولن يدرك ما يستجد، بقدر ما يلاحظ في سنواته الأخيرة، الماضية القريبة، من ثورات وأحداث كبرى، وعجز عن التكيف مع ما يحدث، فما يحدث أعظم من أن يدرك، من قِبل من يعيشه.

وفي جملة اعتراضية تتكرر جملة «ما بعد غزة»، ما تذكر بما بعد بيروت، بعيد غزوها سنة 1982م، وقبل القبل ما بعد حرب أكتوبر (1973م)، وفي كل لازمة ما بعد السابقة كان مكررها هو الحرب، كما حروب غزة عقد السبحة الصهيونية. هكذا جملة التفاصيل مكررة لكنها اليوم تؤشر أننا في هاوية حرب كبرى تحدث ولكن مجزأة هنا وهناك وفي مجمل القارات، التي تبقى في كل حال أيقونتها فلسطين أمس واليوم وغدًا.