Atwasat

البداوة الثانية

عمر الكدي الإثنين 10 يونيو 2024, 10:14 مساء
عمر الكدي

اعتبر كثير من المؤرخين أن عصر المأمون هو ذروة الحضارة الإسلامية، ففي بغداد اجتمع تراث أربع حضارات. حضارة الهلال الخصيب في العراق والشام، وحضارة الفرس والفلسفة اليونانية والإسلام واللغة العربية، وجاء المأمون في ظروف خاصة وحكم عشرين عامًا، ليطلق كل هذه الإمكانات الكامنة، ولهذا وجب تحليل شخصية المأمون والظروف التاريخية التي عاصرها، فهو الابن البكر لهارون الرشيد من أم فارسية «أم ولد»، بينما ابنه الثاني محمد الأمين من زوجته زبيدة الهاشمية القرشية، وبسبب هذا الامتياز أصبح الابن الأصغر سادس الخلفاء العباسيين، بينما أصبح الابن الأكبر وليًّا للعهد، وكلف بولاية خرسان؛ حيث عاش هناك عشرين عامًا، وهو يشعر بظلم فادح طاله بسبب نسب أمه، ولكن هذه الإقامة الطويلة مكنته من الاطلاع على ثقافات أخرى غير الثقافة العربية، وبعد تولي الأمين بسنوات قليلة قرر تعيين ابنه وليًّا للعهد، وهنا وجد المأمون فرصة للانتقام من الظلم الأول والثاني، فزحف جيشه المكون في معظمه من الفرس على بغداد وأطاح بأخيه الأمين؛ بل وقطع رأسه عند استسلامه.

بعد عامين دخل المأمون إلى بغداد وهي منقسمة، وهو عازم على الانتقام من العرب والسنة، وقرر في خطوة مفاجئة التنازل عن الخلافة لعلي الرضا خامس أئمة الشيعة الاثنا عشرية، ولكن الرضا رفض العرض وقبل أن يكون وليًّا للعهد. كسب المأمون المعارضة الشيعية لصفه، لكنه اكتسب أيضًا غضب السنة وبني العباس، الذين حاربوه بقيادة عمه إبراهيم المهدي، ولجأ المأمون لسلاحه السري الذي تعلمه من أخواله، فقد مات الإمام الرضا فجأة مسمومًا بعد أن أكل رمانًا وصله من قصر المأمون، وقبض على عمه إبراهيم المهدي الذي كان يجيد الغناء والعزف على العود، ولكنه عفا عنه وفي جلسة الصلح طلب المأمون من عمه الغناء، وبعد وصلة من الغناء طرب لها المأمون، قال له أحسنت يا أمير المؤمنين، فارتج على عمه ولم يعرف بما يرد، وطبعًا وصلت القصة للعامة فلم يعد أحد يقف مع إبراهيم المهدي، ولم يبق له من خصوم إلا الفقهاء من أهل الحديث، فطلب منهم الكتابة والتوقيع على أن القرآن مخلوق فوافق الجميع ما عدا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، اللذين تعرضا للتعذيب والتنكيل، وقرب المأمون الحزب المعارض من المعتزلة.

تصرف المأمون كسياسي براغماتي وفقًا للأوراق التي بين يديه، ولم يحاول التوسط للتوفيق بين الطرفين. اندفع المعتزلة في حضن السلطة بينما خرج ابن حنبل من السجن بعد وفاة المأمون بطلًا للسنة، وهو الذي كان يرى أن المأمون شيعي بدليل تنازله عن الخلافة لعلي الرضا، وأحيانًا أخرى يظهر غنوصيا هرمسيا يقرب إليه الفلاسفة ويشجع على الترجمة من اليونانية إلى العربية، كل هذه العوامل أدت إلى نهاية إرثه الكبير بمجرد موته.

بعد وفاته تولى أخوه المعتصم مقاليد الخلافة. كان المعتصم أميًّا لا يجيد إلا فنون الحرب والقتال، ومن أم تركية فقرب الأتراك واستبعد العرب والفرس، وترك حتى بغداد ليجعل من مدينة سامراء عاصمته الجديدة.

وبعد المعتصم سيطر الأتراك على كل مفاصل السلطة، وتحول الخليفة العباسي إلى دمية بين يديهم، وهم من اختار الخليفة المتوكل بالله الذي قتل على يديهم لاحقًا ليصبح ابنه المنتصر هو الخليفة بدلًا من ابنه المعتز ومات المنتصر مسمومًا ليبدأ الانحدار السريع للدولة العباسية، التي وجدها المغول جاهزة للسقوط عام 1258م.

مثل المغول خرجت القبائل البدوية التركية من صحراء وسط آسيا، لتجتاح غرب القارة حتى الأناضول، لتتمكن عشيرة صغيرة بقيادة عثمان الأول من تأسيس الإمبراطورية العثمانية، فيما بعد سقطت كل الحواضر الإسلامية بسبب الصراع على السلطة، فسقطت القاهرة بيد الأيوبيين وسقطت قرطبة وغرناطة بيد الإسبان، واجتاحت جيوش سليم الأول الشام ومصر والعراق، وإذا ساهم العرب بالإسلام واللغة العربية فلم يكن للأتراك أي حظ من الحضارة باستثناء الجندية فهم من أسس نظام الانكشارية، ولمجرد أنهم مسلمون أصبح الخلفاء من آل عثمان لتغرق المنطقة في انحطاط لمدة أربعة قرون في بعض المناطق ولمدة خمسة قرون في مناطق أخرى، ليستيقظ المسلمون على تخلفهم وتقدم الأوروبيين مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون.

وعندما نقارن بين انفتاح المأمون على الفلسفة اليونانية، وانغلاق الأتراك على كل شيء، ندرك كيف كان المسلمون وكيف أصبحوا، فلم يسمح فقهاء الدولة العثمانية بدخول المطبعة للعالم الإسلامي لمئتي عام. هم نفس الفقهاء الذين واجههم المأمون والمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة، والذين حرموا فيما بعد الراديو والهاتف والتلفزيون والفيديو، لأنهم يخشون من استخدام العقل وأن يحدث لهم ما حدث لقساوسة أوروبا حيث لا يمكنهم بيع صكوك الغفران.

الموجة الأولى من البداوة التي اندفعت مع المسلمين القادمين من الجزيرة العربية، امتصتها حضارات عمرها أربعة آلاف سنة، والموجة الثانية من البداوة التي اندفعت مع المغول والأتراك، وجدت بقايا الموجة الأولى لتحتضنها ممثلة في الحنابلة، بينما امتصت حضارة فارس والهند الموجة المغولية وحولتها إلى الحضارة، ومنذ ذلك الوقت بدأت عصور الانحطاط في منطقتنا خاصة بعدما تكالب عليها من الشرق المغول والقبائل التركية والصليبيون من الغرب. مات ابن حنبل وظل تراثه حيًّا قادرًا على الانبعاث على شكل ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب والمهدي في السودان، ثم رشيد رضا وحسن البنا والنبهاني وأخيرًا تنظيم الجهاد والقاعدة وانتهاء بتنظيم داعش، وما هذا الخراب الذي تعيشه أوطاننا الآن إلا هزات ارتدادية لذلك الزلزال الذي أحدثته الموجة الثانية من البداوة، خاصة عندما أصبحت البلدان التي لم تمت فيها البداوة تمتلك عوائد ضخمة من البترو دولار بعد اكتشاف النفط، فتمكنت بسهولة من تحويل الحواضر التي منها انطلقت الحضارة الإنسانية في العراق ومصر والشام إلى مجرد بادية حنبلية في مدن حديثة ومزدحمة وفوضوية.