Atwasat

الاستشراق: تراث الشرق في فكر الغرب (5 - 5)

سالم الهنداوي الخميس 06 يونيو 2024, 02:59 مساء
سالم الهنداوي

على الرغم من انتشار "الميديا" على بساط العالم الذي أصبح قرية صغيرة في ظل غزو الفضاء والإنترنت، إلّا أن حركة الاستشراق ظلت تعمل ميدانياً وتقف على "المعلومة" بل وتساهم في تزويرها ونقلها والترويج لها عبر هذه الصناديق الألكترونية الزرقاء والخضراء والحمراء، فثمّة عقل يختبيء وراء نشر المعلومات وتسويقها بغير أسلوب لمصلحة الغرب المستفيد، بل وكان وراء أهم التحليلات الاستراتيجية التي اعتمد عليها الغرب في الكثير من الأحداث التاريخية التي تعرّض لها الشرق، من مؤامرات وحروب واستعمار، ناهيك على حجم الكُتب الاستشراقية الضخمة التي صدرت برعايات غربية ممنهجة في العديد من الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات والأبحاث ومؤسسات النشر التي اهتمّت بالشكل الجمالي لإصداراتها الموسوعية المصوّرة كما اهتمامها بنشر لوحات المستشرقين من الرسّامين الغربيين اللامعين.

إن كل من يقرأ مؤلفات المستشرقين يضع يده على مواضع الخطر، وذلك لما تهدف إليه بعض هذه الكُتب من التشكيك في العقيدة الإسلامية، ومن تشويه التاريخ والتراث الإسلامي، وللمستشرقين مناهج تعليمية وثقافية وفكرية مُحدّدة يتوصلون عن طريقها للافتراء على المعالم الإسلامية والعالم الإسلامي بالرسومات والتأليف، وقد استطاع الاستشراق بكل مكرٍ ودهاء أن يوجد تلاميذ له في الشرق الإسلامي يدورون في فلكه ويروّجون لبضاعته.

كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحوّلاً في المجتمع الإسلامي في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة ثم يتبعهم الكُتّاب والمفكرون الذين يكتبون باللغة العربية من أهل التبعية والتغريب والشعوبية، وهذا واضح من خلال الدعوة إلى العامية، والدعوة إلى الإقليميات، وهو ما نتابعه اليوم بعد نشوب الفوضى الخلاقة في الوطن العربي بثورات "الربيع" وظهور طفرة الأقليّات العرقية بحجّة الحقوق واحترام المكوّنات المجتمعية.

يقول الكاتب المصري الدكتور "عبدالمنعم سعيد": بعد عقدٍ من القرن الجديد، وجد المفكرون والدارسون الغربيّون فيما سُمي من قبل مستشرقي "الربيع العربي" نوعاً من خروج "الاستثناء" على استثنائه، بالاقتراب من النموذج الفكري الذي تصوّروا فيه كمالاً للإنسانية. وعلى مدى العقد الذي مضى، منذ نشوب الهبّات والثورات والتمرُّد في دول عربية، بدأت خيبة الأمل والإحباط تستشري في دوائر فكرية أميركية كثيرة، عادة ما تلقفتها دوائر أوروبية، بأنَّ النُظم القديمة قد عادت مرة أخرى، وأن "الاستثناء" في النهاية بقي استثناء من الحكمة العالمية.

خلال هذه الفترة، كانت هناك أمور كثيرة ممّا يُدهش؛ أولها أن حكمة لم تأتِ في التعرُّف على تاريخ الدول الغربية والشرقية في أعقاب الظروف الاستثنائية التي تأتي بعد الثورات والحروب الأهلية والأخرى العالمية، أو تلك التي تلي طفرات التغيير في قوى الإنتاج وتكنولوجياته. في الولايات المتحدة خاصة، لم تستوعب تجربة الثورة الأميركية، وما تلاها من رفض لأفكار الثورة الفرنسية، واستقرار العبودية في الدستور رغم ما كان من حقوق للإنسان في إعلان الاستقلال. ولم تكن تجربة ما بعد الحرب الأهلية أقل اختلافاً، عندما أعقب التعديلات الدستورية قوانين "جيم كراو" التي كرَّست للعبودية بطريقة أخرى.

وثانيها أن التجربة التي جرت خلال العقد المنصرم، وما صاحبها من يمين "القومية البيضاء" وانتشاره في أوروبا، مع الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، لم يقدِّم شهادة على ازدهار النموذج الفكري في موطنه الأصلي.. وثالثها أن دراسة وتشريحاً لما جرى في دول الربيع المزعوم لم تحدث لأن الناظرين كانت معادلتهم بسيطة، وهي أنها كانت مواجهة بين الباحثين عن الديمقراطية والمعارضين لها؛ لم يكن هناك ما وحّد الشباب الثائر سوى "إسقاط النظام"، وبعد ذلك لم يكن هناك "توماس جيفرسون" ولا "جان جاك روسو"، ولا كان هناك نظام جديد جرى عليه حوار ديمقراطي واحد؛ كان في ميدان التحرير المصري 216 مجموعة سياسية لم تعلم الملايين أسماءها، لا ساعتها ولا حتى الآن.. ورابعها أنه لحلِّ لغز السيطرة "الإخوانية" على الجماعة الثورية، كان إغفال كل ما هو معلوم موثق عن التطرف والإرهاب والتعصُّب إزاء المرأة والأقليات الأخرى، وادعاء أنهم جماعة معتدلة ديمقراطية لا تختلف كثيراً عن الأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب؛ هكذا كان تزييف ما حدث.. وخامسها أن العقد كله، وسنة الكورونا الأخيرة فيه تحديداً، قد كشف أن التقدُّم والحداثة وتلبية احتياجات الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش الكريم، لا تحدث ضمن الإطار الغربي فقط، بل إنها يمكن أن تحدث في بلاد ونُظم سياسية واجتماعية أخرى. خلط التعبيرات الأثير لدى المستشرقين الجُدد بين الديكتاتورية والأوتوقراطية والاستبداد والأوليغاركية، وكل منها له تعريفاته وحدوده، يبدو عند الاستخدام غير المنضبط ليس أكثر من استدعاء تعيس للاستشراق القديم الذي لا يرى أكثر من وجوه بليدة في الشرق.

والحقيقة التي ذهب إليها الدكتور "سعيد" هي أنه لا يوجد خلاف على أن العقد الذي بدأ بالثورات وانتهى بالجائحة لم يكن رحيماً بالشرق الأوسط، والمؤكد أن الثمن كان فادحاً في القتلى والجرحى واللاجئين والنازحين والمُدن والحضارة المُدمَّرة، ولكن المؤكد أيضاً أن الزمان لم يدر دورته لكي يعود النظام القديم ويمد جذوره، وما حدث فعلياً هو درس أن الفوضى الشاملة ليست أسلم البيئات للتنمية والإصلاح والتغيير، وإنما هي الطريق إلى حرب الجميع ضد الجميع، وأن التحريض - سواء كان ضد الآراء أو الأقليات أو الطوائف الأخرى - ليس أنجع الطرق لحرية التعبير.

لم تكن العودة إلى الماضي مقبولة ولا ممكنة، بقدر ما كانت الثورة المستمرة لا تقود إلى تقدُّم، وكان الإصلاح هو السبيل للتغيير والتحديث والتقدُّم في آن واحد. وهكذا، بينما بدأت خطوات كثيرة لتهدئة حرائق الشرق الأوسط، فإنَّ من كانت لهم نجاة من الربيع المزعوم بدأوا في التحديث العميق الذي لم يكن متصوّراً حدوثه في السابق. لم يكن ممكناً أن تحصل المرأة على حقوقها، ولا خلق بدائل كثيرة للنفط، بصفتها محرِّكاً أساسياً للاقتصاد العربي متاحاً، ولا أن يكون الإصلاح الاقتصادي بالعُمق الذي جاء، لا في النُظم القديمة ولا في الجماعة الثورية، وبالتأكيد بين صفوف جماعة "الإخوان المسلمين" الذين كانت منارتهم هي النظام السياسي الإيراني.

المُدهش أن متابعة ذلك غابت تماماً عن المستشرقين الجُدد، حتى لو كانت متابعتها لصيقة من قبل مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو مؤسسات مالية عالمية تقيم وتضع المراتب في أمور شتى تخص الحداثة، كما تراقب التقدُّم. المقاييس الاستشراقية التي لا تعرف التنوُّع الذي يجري في العالم، ولا ما تحتاجه الأمم من مراحل زمنية لكي تنتقل من حالة إلى أخرى.. وقياساً بعمر ثورات الربيع التي ناهزت العقد من الزمن، فلا شئً تحقّق لشعوبها غير صرخة الحرية ضد نظام متماسك سقط، وقيام نظام آخر مزيّف لا قيادة رشيدة له ولا فكر، اعتمد على الغوغاء في إدارة شؤون الدولة وفساد ممنهج ضحيّته الشعب الذي أراد "المثالية" فسقط في براثن العبثية، ولعلّ النموذج "الليبي" خير دليل على فوضى هذه الثورات المدعومة من الغرب الاستعماري، وفي غياب "النخبة الوطنية" التي باستطاعتها منع الأخطار التي تحدق بمستقبل البلاد.

لقد تعرّف "الغرب الاستعماري" على العقل العربي من خلال حركة الاستشراق وما قدّمته من تحليلات استراتيجية كشفت ضحالة الجسم العربي ونالت من أجهزته المناعية، فلا قدرة على مواجهة أشكال العداء التاريخي لهذه الأمة سوى بمراجعة ذاتها واستعادة تراثها التليد والرد على الغرب بأدوات الغرب، بالفكر والثقافة والعلوم، أسلحة العقل الجديرة بأمة خالدة سطعت شمسها ولن تغيب!