Atwasat

تملُّص وانتكاسة

صالح الحاراتي الإثنين 03 يونيو 2024, 04:09 مساء
صالح الحاراتي

كتبت يوما عن (شماعة نظرية المؤامرة) ليس رفضا لوجودها ولكن للتنبيه إلى أنها ليست الوحيدة التي تعيق مسيرة حياتنا؛ ولذا وجب علينا عدم التملص من مسؤوليتنا عن مآلات أوضاعنا على كل المستويات والاعتراف بأن هناك أسبابا تتعلق بنا وتؤكد مسؤوليتنا عما نحن فيه، وإذا كان الآخر يسعى ويتآمر لما يراه يحقق مصالحه فما هي مؤامرتنا المضادة؟

لفظ تملَّصَ تعنى تَخَلَّصَ، وأفْلَتَ مِنْهُ

وتملَّص من أَداء واجبه أي تهَرَّب

وتنصل عن الالتزام بمسؤولياته.

على كل حال «الشماعات» التي نعلق عليها أسباب أزماتنا كثيرة، ونلجأ إليها تبريرا لعجزنا عندما تزداد تعاسة أحوالنا..

فهناك من يلقي بالتبعة على «النخبة» ويحملها المسؤولية عن سوء واقعنا موجها لها سهام الاتهام بأنها سبب ما نحن فيه وذلك لانكفائها وغيابها عن الخوض في الشأن العام.. وهناك من يتهم المتنفذين من أهل السلطة المتحكمين في رقابنا شرقا وغربا، وهناك من يوجه سخطه إلى شيوخ الدين الذين يريدون تأطير المجتمع بأسره على قدر فهمهم ورؤيتهم.. وهناك من يلقي بالتبعة على «حفتر» في الشرق والتشكيلات المسلحة في الغرب، وهكذا تتوالى الاتهامات ويسود منطق الذم والقدح وحتى السباب والشتائم لكل أولئك، دون أن يحاسب نفسه ويتحمل مسؤوليته..

ولست هنا بصدد إعطاء صك براءة لكل من جرى ذكرهم أعلاه، مع الإقرار بأنهم مسؤولون بدرجة ما عن واقعنا المأزوم، ولكن ورغم تعدد تلك المشاجب وما يتلوها من انتقادات لاذعة؛ فإن «سلبية أفراد المجتمع» هي العلة التي لا يأتي الساخطون على ذكرها.

أحد الأصدقاء رد قائلا «يكفي ما نراه من جلد الذات».. فقلت له ساخرا.. ربما نحتاج إلى ما هو أبعد من الجلد، وجاز أن نسميه «سلخ الذات»! ليس من باب السادية المرضية ولكن لأن السلخ أعمق من الجلد لكي نتعرف على ذواتنا وما بها من عيوب، فنحن بحاجة ماسة للبحث عن أسباب كثيرة متعلقة بنا ولا نفصح عنها بدافع الهروب من الاعتراف بالفشل وطمعا في براءة الذات، وما ذلك إلا شعور سلبي ينتج عن رغبة الشخص اللاشعورية بالتغلب على الفشل من خلال الهروب منه وإلقاء التبعة على الآخر بدلاً من مواجهته لعجزه عن إدراك مواطن ضعفه وقوته، وعدم معرفته بمواطن ضعف وقوة التحديات التي يواجهها.

في موروثنا نجد مفردة النفس اللوامة.. حيث يفترض أن يكون اللوم دافعاً للعمل والتقييم والمراجعة، وهي حالة مجاهدة مع النفس، وليس لوم للنفس من دون عمل وتغيير، ليبقى الإنسان سجيناً لواقعه دون الخروج من أزمته ويستمر في اتهام الآخرين دون القيام بما هو واجب عليه.

في الأيام القليلة الماضية ازدادت وتيرة شتم القادة في القمة العربية الأخيرة على صفحات التواصل الاجتماعي بينما يسود الصمت الشارع ويخلو من أي احتجاجات ولا يتحرك الناس في مظاهرات مثلا للتعبير عن مطالبهم، بينما الحراك المجتمعي يحدث في مجتمعات بعيدة عنا على الرغم من أن حكوماتها تكيد لنا وتقف موقف العدو لنا.. قد يقول قائل إن القهر والتضييق على الحريات هو السبب فيكون الرد - هل هناك مكاسب تتحقق دون تضحيات !؟

في واقعنا الليبي نعيش حالة اِنتِكاسة حقيقة مبررها سوء الأحوال المعيشية ويردد البعض عبارة

(«يا مبهاك يا مرت بوي الأولة»)

أي شكر لزمن ولّى ونظام سياسي انتهى هروبا من مواجهة الواقع والبحث عن حلول لتجاوز العقبات التي تعيق ما كنا نحلم به ونتمناه.. وما ذلك إلا مثال يشابه (اِنتِكاسة) المريضِ ومُعاودته المرض، وحالة من حالاتِ الإحباط.

هي عبارة تصف انتكاسة الإنسان على مستوى الطموحات والأحلام وهي بتقديري وسيلة دفاعية وطريقة للتملص والهروب من التعامل ومعالجة واقعه المتأزم وقد تعني في عمق مفهومها لدى البعض أن خديعة مورست عليه في تملص واضح عن واجبه ودوره فيردد تلك العبارة وتكون ردة فعله وانتكاسته قوية، ويعود إلى وسيلة البكاء على اللبن المسكوب بدل أن يقوم بواجبه وبعمل ما يليق به كإنسان حر رافض لكل ظلم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»