Atwasat

فلسطين على الخارطة

جمعة بوكليب الأربعاء 29 مايو 2024, 03:32 مساء
جمعة بوكليب

يحقُّ للعام 2024 الحظيَ بمكانة خاصة في كل روزنامات العالم. كونه العام الذي أعاد وضع اسم فلسطين على خريطة العالم من جديد.

الرئيس الراحل ياسرعرفات يُعزى إليه الفضل في كونه أول من تجرأ، في الستينيات من القرن الماضي، بانتشال اسم فلسطين من عمق بئر النسيان، ووضعه على خريطة العالم، بتأسيسه أولاً حركة المقاومة الفلسطينية- فتح. ثم من بعد قيادة الكفاح السياسي والمسلح

حركة المقاومة الإسلامية- حماس، يُعزى إليها الفضل هي الأخرى، كونها نفضت عن اسم فلسطين ما تراكم فوقه من غبار، على مدى سنوات طويلة. ووضعته مجدداً على خريطة العالم. وارتفع علم فلسطين عالياً، في شوارع وميادين عواصم العالم، على أيدي مناصرين ومؤيدين لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستقلاله، يهتفون باسم فلسطين، ويعتمرون الكوفيات الفلسطينية. (من كان يصدق حدوث ذلك؟)

في أواسط الأسبوع الماضي، أعلنت ثلاث دول غربية (أسبانيا وايرلنده والنرويج)عن عزمها الاعتراف بدولة فلسطين يوم 28 مايو(أيار) الجاري.

رحلة الألف ميل الفلسطينية التي بدأها ياسر عرفات ورفاقه، منذ أزيد من نصف قرن مضى، بدأت تقترب من خط الوصول. الاعتراف الدولي بدولة فلسطين دخل طور التحقق فعلياً، ونحن سنكون شهود عيان خلال القادم من الأيام والأسابيع والشهورعلى تزايد عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين المستقلة. وبالطبع، الشكر موصول إلى جهات عديدة وأشخاص عديدين يقفون في الضفة المعادية، وكانوا بمثابة عوامل مساعدة قرّبت من تحقيق الحلم. وعلى سبيل المثال، من منا يقدر على نسيان الأدوار التي لعبها نتنياهو وبن غفير وبقية الأسماء في قائمة اليمين المتطرف الإسرائيلي فيما تحقق! العناد والغطرسة والعنصرية والدموية التي كشفوا عنها ومارسوها خلال شهور حرب الإبادة في غزة، والجرائم التي ارتكبوها، هيأت الأرضية دولياً لوضع الحصان أمام العربة أخيراً.

لا ننسى كذلك الدور الإيجابي الذي لعبته الانترنت، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، ودورها في نقل ما يحدث من جرائم إبادة في غزة أولا ًبأول، مباشرة، ومن دون تدخل. ذلك الدور المهم وقف سداً منيعاً أمام وسائل الإعلام الغربية وحرمها من مواصلة الدور التزييفي الذي مارسته خلال نصف قرن أو أكثر. الانترنت ونشطاء مواقع التواصل قاموا بمهمة نقل الأحداث على أفضل ما يكون ومن دون تدخل وتحرير وتزويق، ومباشرة على الهواء من قلب الحدث.

وللأسف الشديد، قائمة الشكر لا تتسع لوضع أسماء أخرى كثيرة، وعلى سبيل المثال اسم السلطة الفلسطينية في رام الله. وحتى لا نجني عليها من الأفضل تجاهلها عملاً بمثل شعبي معروف يقول إن الضرب في الميت حرام. القائمة لا تتسع لأسماء عديدة أخرى أيضاً، لسنا في حاجة إلى ذكرها حالياً، لأن التاريخ سيتولى تلك المهمة، ويضع النقاط على الحروف.

يقولون إن الطريق إلى الجحيم مفروش بجثت ذوي النيّات الطيبة. لكنهم نسوا حقيقة مهمة، وهي إمكانية البعث. أي النهوض بعد الموت، ومواصلة المسيرة. أي أن يُبعث من جديد، في الحياة الدنيا وليس في الآخرة، من اعتبروا من ذوي النيات الطيبة أمواتاً، وتضخَّ في عروقهم دماء الحياة. وما قاله يوماً شاعر تونس العظيم الراحل أبو القاسم الشابي عن الشعب وإرادة الحياة، لم يكن من باب المبالغة الشعرية، بل بناء على قراءة التاريخ. والتاريخ قد يكتبه الأقوياء، ومن الممكن أيضاً أن يكتبه الضعفاء. الاختلاف بين الكتابتين يتبدى واضحا في زاوية الرؤية للحقبة وللعصر وللأحداث وللفاعلين. يمكن أن نلاحظ الفرق في الكتابتين بين ما تسعى الآلة الإعلامية الصهيونية إلى فرضه على أنه التاريخ الوحيد، وبين ما يسطّره الفلسطينيون على أرض الواقع اليومي تحت الاحتلال، من بطولات ومعاناة وصبر وعناد، ورفض الانمحاء والموت.

الطريق إلى فلسطين المستقلة ذات السيادة طويل. والمسافة التي قطعها الفلسطينيون حتى الآن شاقة ومتعبة، لكن بعد سبعة شهور من الصمود في غزة، بان ضوء في آخر النفق. الوصول إلى نقطة الضوء يمر بمنعطفات حادة وخطرة، ولن يكون سهلاً، وقد يؤدي أحياناً، لا سمح الله، إلى اختفاء نقطة الضوء مؤقتاً، بسبب ما سينصب في الطريق من فخاخ وشراك. ومع ذلك، ورغماً عن ذلك، تظل مواصلة السير هي الحل الوحيد أمام الشعب الفلطسيني للخروج من نفقه المعتم والبارد إلى دفء ضوء شمس النهار.

وما بدأ هَمّا فلسطينيا ونكبة فلسطينية وقضية فلسطينية، تحوّل سريعاً إلى هَمّ عربي ونكسة عربية وقضية عربية. وهاهو، بعد 76 عاماً يتحوّل حالياً إلى قضية عالمية وإنسانية وإلى مطلب عالمي وإنساني.