Atwasat

الأخلاق نائمة فلا يوقظها أحد

سالم العوكلي الثلاثاء 28 مايو 2024, 01:44 مساء
سالم العوكلي

أكثر ما يثير الهلع في هذا الزمن المفعم بالتعقيدات، والحروب البشعة التي تديرها مراكز استخبارات القوى الكبرى بحنكة، هي ظاهرة (الكذب) التي تصاحب هذه الأحداث عبر خطابات وتصريحات رؤساء أو وزراء خارجية الدول الكبرى التي تسلمت مسؤولية إدارة هذا العالم في العقود الأخيرة أو برمجة ما تسميه النظام العالمي، خصوصا حيال ما يحدث في غزة من إبادة جماعية على مرأى هذا العالم منقولة على الهواء لأربع وعشرين ساعة في مئات القنوات ومواقع الاتصال، كما حدث في أول تصريح لبايدن حيال معركة السابع من أكتوبر حين صرح علناً، ومن المكتب البيضاوي بما أملاه عليه نتنياهو من أكاذيب في مكالمة تليفونية كاد فيها نتنياهو يجهش بالبكاء، ومراراً يحاول البيت الأبيض أن يصحح أو يبرر هذا الكذب المعلن.

وفي الحصيلة هي معضلة أخلاقية بدأت ترتبط بالسياسة والسياسيين الكبار الذين يقودون ما يسمى المجتمع الدولي، في ظل فلسفة سياسية تعتبر الكذب جزءاً من مهارات السياسي المحنك. نذكر سيل الأكاذيب التي ظهرت بعد عملية «طوفان الأقصى» في تصريحات ناطقين باسم حكومات غربية، وعبر شبكات إعلامية كبرى عن اغتصاب الجثث وذبح وحرق الأطفال وغير ذلك، وهي أكاذيب -لا يجرؤ حتى قاتل متسلسل مختل على تخيلهاـ جرت تعريتها وفضحها، ولكن بعد أن اتخِذتْ بناء عليها إجراءات دعم لوجستي للجاني الذي تنكر في هيئة ضحية.

آمن إيمانويل كَنت بأن المعرفة الأخلاقية تعني معرفة الصواب من الخطأ، وهي معرفة وُهِبتْ لكل البشر على حد السواء بما حازوا طبيعياً من ملكات عقلية تطورت عبر الزمن وفق هذا المبدأ، لكنه يذهب إلى سبر ذاك التفاوت بين المعرفة والفعل، ويُرجع سبب هذا التفاوت إلى سجية أخرى كريهة حددها بــ (مَلَكة الكذب) والتي يرجعها إلى ما سماه الخوف الطبيعي من ازدراء النفس، ما سيؤدي في النهاية إلى ما تمكن تسميته بالوقْر الأخلاقي، والوقْر هو الصمم الذي يصحبه عمى1.

فالسمع والبصر حين لا يكونان متصلين بالضمير يجعل من أدواتهما، الأذن والعين، شبيهتان بأدوات الكاميرا التي تلتقط الصوت والصور دون أن تكون لها مشاعر حيالها. وهو صمم أو وقر إنكاري يغلق الأذان ويعمي العيون عن كل كلام يشكك في الإيمان بهذه الكذبة التي تحمي صاحبها من احتقار ذاته، وفي الوقت نفسه تشكل ذريعة للمتنفذ كي يتخذ قرارات قد تصل إلى إبادة شعوب دون الإحساس بأي نوع من تكبيت الضمير، وهي ظاهرة انتشرت مع إبادة الهنود الحمر الذين جردهم خطاب الغزاة البيض من الصفات البشرية، ونراها الآن عن كثب حيال ما يحدث في غزة. والمشكلة أن هذه التقنية السياسية تنطلي على كثيرين، أو تُشبع لا وعيهم الذي يشاركون به في الجريمة بشكل أو آخر، وإلا ما الذي يجعل مرشحاً رئاسياً مثل ترامب يحصل على أصوات ملايين الناخبين رغم ما زخرت به خطاباته ودعايته الانتخابية من أكاذيب كانت تُكشف مراراً دون أن تؤثر في شعبيته.

في كتابها «بعض أسئلة بخصوص فلسفة الأخلاق» تؤوّل حنا آرنت حجاج كنت بكون «هوية المرء هي تحديداً هويته الأخلاقية»، وتتساءل: كيف نقنع الإرادة بقبول ممليات العقل، محاولةً أن تفتح باباً لمجابهة هذا السؤال بقولها: «يكمن التمييز الأساسي، من منظور سياسي، بين الفكر والفعل في أنني أكون مع نفسي أو مع نفس شخص آخر حين أفكر، في حين أكون صحبة الكثيرين حين أشرع في الفعل».

ومن هذه الفكرة نفسها كنتُ، كلما سمعت تصريحا للرئيس الأميركي، أتساءل، هل سيفكر فيما قاله من أكاذيب ـ حين شرع في الفعل في مكتبه ـ في اللحظات التي يأوي فيها إلى فراشه قبل النوم، أو حين يقابل أحفاده وينظر في عيونهم فيرى فيها آلاف الأطفال الذين شاهدهم يقتلون في غزة؟ أم أن حالة الوقر التي تفضي إلى إنكار للحقائق تعمي البصيرة (والبصيرة تعني البصر والسمع حين يكونان متصلين بفص صدغي في الدماغ يقبع فيه الضمير أو الشعور بالندم)، وهذا الصمم وما يرافقه من عمى ما يجعل الطغاة يصابون بإنكار جرائمهم حتى آخر لحظة من أعمارهم، أو ينتحرون حين يحسون بقرب اكتشاف الكذبة المؤرِّقة، بل ويجعل أتباعهم مستمرين في الترويج لهذه الكذبة التي أودت بحياة زعيمهم وقذفت به في مزبلة التاريخ.

غير أن الكذب في ما يسمى الدول (الديمقراطية) يختلف وتشارك مؤسسات عدة في إدارته، مستفيداً من علوم النفس والاجتماع وعلوم الدماغ والهرمونات وغيرها، وأن الرئيس في الدولة الديمقراطية يدرك أنه سينجو بكل أكاذيبه ويعود إلى مزرعته ليكتب مذكراته التي عادة ما تكون مرافعة لتبرير كل ما اقترفه من أكاذيب من أجل حماية مواطنيه، أو أمن أمته القومي. «لا عجب إذن في أنْ بينت دراسة حديثة نشرت في محاضر الأكاديمية الوطنية للعلوم أن ملايين الأميركيين، بعماهم وصممهم الأخلاقي يعتقدون أن طرفهم أساساً مطبوع على حب الخير في حين أن الطرف الآخر شر وأنهم سوف يقضون عليه»، كما يذكر زيجمونت باومان في كتابه «غرباء على بابنا»2 نقلا عن تقرير لآرثر سي بروكس نشرته جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 26 ديسمبر 2015.

وهذا الاعتقاد الراسخ لدى هؤلاء الملايين أسهم في تشكيله نظام تنشئة معرفي شامل شاركت فيه منظومات الدعاية الكبرى والسينما الموجهة وحتى أفلام الكارتون، يتشكل من خلاله ذهن شائع يعيش خدر عقيدة (بطلي) My hero، أي القدوة التي غالباً ما تجعل من المحاربين القدامى العائدين من فيتنام أو أفغانستان أو العراق أبطالا حتى وإن كانوا في ظل تأهيل نفسي يعانون من كوابيس ما اقترفوه من جرائم في مجتمعات تبعد عنهم آلاف الأميال، غير أن العقيدة عند الكثيرين بكون كل مهمة يقوم بها طرفهم هي خيرة وضد الشر، يحيل من هؤلاء المهزومين نفسيا أبطالاً، وبالتأكيد هذا لا ينطلي على الجميع فثمة وعي مغاير بهذه الألاعيب يجعل عشرات الألوف ممن يفضحون الكذبة يخرجون في مظاهرات ضد الحروب.

لكن الكم الآخر المستسلم للكذبة غالباً ما يكفي للمرور عبر صناديق الاقتراع، وكل المظاهرات العارمة التي خرجت في الولايات المتحدة لوقف الحروب لم تغير شيئا سوى أنها أثبتت أن تقنيات الكذب غير ناجحة بالكامل رغم ما تمتعت به من نجاح في وصول رئيس شعبوي غريب الأطوار يجهر بعنصريته علناً إلى البيت الأبيض، يقول باومان: «دونالد ترامب، إلى حد بعيد أكثر مرشح جمهوري لرئاسة أميركا شعبيةً، وهو صاحب سجل طويل ويزداد طولاً في الخطابة السوداء التي تحرّض على العنصرية، والكراهية الدينية، وصاحب خطاب «نحن في مقابل هم» البذيء، ورفضُ شجبِ خطاب أعوانه المفعم بالكراهية، هو، حسب تشخيص إيما رولر، محررة آراء في جريدة نيويورك تايمز: المرشح الأمثل لعصرنا الفيروسي (سريع الانتشار).

لماذا. لقد وجد عالم نفس من جامعة هاواي أن اللحظات الفيروسية التي نتوق لها هي تلك التي تأتي مباشرة من فقدان* الوعي (unconscious) ـ في حين أن الكراهية والخوف من الآخر والغضب ـ تأتي مباشرة من اللاوعي (nonconscious). ويبدو أن المنعزلين أمام هواتف، أو الأجهزة اللوحية أو شاشات الحاسوب المحمول، في حضور «فيروسِيين» آخرين فحسب، ينيّمون العقل والأخلاق، ويطلقون سراح العواطف المسيطر عليها في العادة».

هذا التنويم يفعل فعله في غالبية قد تكفي للصندوق، يمثلهم غالباً من يهاجمون بالعنف تظاهرات الطلاب المحتجين على حرب الإبادة في غزة بالجامعات الأميركية والأوروبية، وأولئك المثقفون أو الإعلاميون البارزون أو الساسة أصحاب المناصب الذي يصفون المتظاهرين بأقذع الشتائم، ويتهمونهم بتلقي المعونة من أطراف خارجية أو بمعاداة السامية ـ على الرغم من أن كثيرا من الطلاب اليهود غير المنومين يشاركون في المظاهرات ــ هؤلاء جميعاً يعيدون تمثيل ما فعله الطغاة ووسائل إعلامهم ضد تظاهرات الربيع العربي، نفسها آلية التشويش الخبيث على مطالب أخلاقية صدح بها الناجون من تقنيات التنويم. «وفي هذه الفترة يُعلَّق الامتثال للأمر الأخلاقي. وبدلاً من التعجيل بيقظتهم، يأمرهم العقل بالاحتراز: الأخلاق نائمة، فلا يوقظها أحد».

كما يختم باومان فصله المعنون «جذور الكراهية الأنثروبولوجية» في كتابه الذي يتقصى مفهوم «الهلع الأخلاقي» الذي يثيره اليمين الأوروبي في وجه الهجرة. وبيع الهلع؛ أو ما يصفه باومان بـ«وسائل الإعلام التي تفيد من البرامج التي تبيع الهلع»، هي التقنية التي تبنتها الميديا المضللة منذ مساء السابع من أكتوبر، لأن الدعاية الغربية سوقت للخير والشر كثنائية أنثروبولوجية أو كقدر جيني، ولا عجب من أن النازية أنكرت، بإصرار، وحدة البشر كممثلين للجنس البشري الواحد، وذلك كان ضرورياً كما يقول جورج أورويل: من أجل «الكذب التمهيدي» المدعو لخلق ليس المستقبل فحسب، وإنما الماضي- التاريخ بشكل عام حسب رؤية أرنت.

وفي هذا السياق المقلق لمن يرون ثقباً في الأخلاق لا يقل تهديداً عن ثقب الأوزون، وتغيراً أخلاقياً أكثر خطراً من «التغير المناخي»، لا سبيل لإنقاذ ما تبقى من ضمير كوني إلا بتحقيق العدالة عبر محاكمة المسؤولين عن الهولوكوست الصهيوني ضد الفلسطينيين كما حوكم المسؤولون عن الهولوكوست النازي ضد اليهود.

* يبدو لي أن الترجمة الأدق "افتقاد الوعي" التي تعني، هنا، انعدام وجود الوعي أصلا. على حين تعني "فقد الوعي" الإغماء أو التعطل المؤقت للوعي. (المحرر).
1 ـ «وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍۢ».
2 ـ زَيجمونت باومان ـ غرباء على بابنا ـ ترجمة نجيب الحصادي. منشورات صفحة سبعة للنشر والتوزيع.