Atwasat

فلسطين من البحر إلى النهر «لتكن واقعيا اطلب المستحيل»

أحمد الفيتوري الثلاثاء 28 مايو 2024, 12:51 مساء
أحمد الفيتوري

«قنبلة حقيقية»، هكذا وصف نشطاء منصات التواصل الاجتماعي، تصريحات يولاندا دياز نائبة رئيس الوزراء الإسباني، في حق فلسطين. وفي مقطع مصور تداوله النشطاء على نطاق واسع، أوضحت دياز أن تحرك إسبانيا للاعتراف بالدولة الفلسطينية في 28 مايو2024 مجرد بداية.

وقالت نحن نعيش لحظة، يعتبر فيها القيام بالحد الأدنى أمرا بطوليا، لكنه غير كافٍ في الوقت ذاته». لتختم الوزيرة الإسبانية كلامها، بعبارة أشعلت منصات التواصل، بقولها: «فلسطين ستتحرر من النهر إلى البحر». وقول يولاندا دياز: «فلسطين ستتحرر من النهر إلى النهر»، رددته جماهير في شوارع أوروبا وغيرها، خاصة من قبل طلبة الجامعات الأميركية والأوربية، وطبعا التهمة الموجه للجميع العداء للسامية.

وجميع من ردد هذه الحقيقة، ومن وجه تهمة العداء للسامية، يعرفون جميعا دلالة هذه الحقيقة تاريخيا وجغرافيا، وأن الشمس لا يغطيها غربال الواقعية السياسية، وأنهم ما قتلوه ولا صلبوه ولكن شبه لهم.

بحث عن مقاربات لموقف السيدة يولاندا دياز، خلال حقبة النكبة التي عمرها 76 سنة من التعسف والحروب، استوقفني موقف ألبرت آينشتاين من دعا إلى تسلم منصب رئيس الدولة الصهيونية فاعتذر: «فقد بعث آينشتاين، في 25 نوفمبر 1929 م، برسالة إلى حاييم وايزمان، الذي شغل لاحقا منصب أول رئيس لإسرائيل، قال فيها: «إننا إذا لم ننجح في إيجاد طريق لتعاون شريف وحوار صادق مع العرب، لا نكون قد تعلمنا شيئا من معاناة ألفي سنة ولّت، وسنستحق ما يحصل لنا تبعا لذلك». وأكد العام 1946 على أن «فكرة دولة إسرائيل لا تتوافق مع رغبات قلبي. إنني لا أفهم لماذا نحن بحاجة إلى دولة كهذه».

كما رفض فكرة تأسيس وطن قومي لليهود، فالدولة القومية بحسبه هي فكرة رديئة، وقال في ذلك «وقد عارضتُها على الدوام، إننا نقلّد أوروبا، والذي دمَّر أوروبا في النهاية هو القومية». وانتقد ما فعلته الحركة الصهيونية بالعرب بالقول «ما يسبب لي حزنا عميقا، أن أرى الصهيونية تفعل بالعرب الفلسطينيين أكثر مما فعلته النازية».

هكذا ما يتردد، في العالم الرسمي اليوم، حول حلّ الدولتين، يعاد نقضه في الشارع بل وعلى لسان وزيرة في حكومة أوروبية، باعتبار ما حصل، خلال حقبة النكبة، حروب تبز حروبا، من قبل الدولة الصهيونية، التي سرديتها كما سردية صانعيها وحامييها، تتخذ مركزين هما:1- الدولة الصهيونية دولة ضعيفة، 2 – دولة مستهدفة، وبالتالي هي دولة إسبارطية أنيابها نووية وجودها المهدد يستدعي العدوان، فالأغيار أعداء بالضرورة.

هذا المكرور هو المقدمة والنتيجة، ما جعلا السيدة يولاندا دياز وألبرت أينشتاين يرددان القول نفسه، رغم الفوارق بينهما، ما أعاد طرح المسألة اليهودية على الوجدان الغربي، على الرغم من أن العقل الغربي يعاند من أجل استبعادها، فبايدن مثلا، في مواجهة ما حدث يوم السابع من أكتوبر 2023م، أكد أنه صهيوني، ثم قدم الثور الذهبي قربانا لإله صهيون.

الحقيقة التي رددها نتنياهو ليلة السابع من أكتوبر، أن ما حدث مسألة وجود، وهي أيديولوجية الدولة في ظاهرها، لكن الحقيقة المغيبة أنها موضوعيا مسألة وجود، وكل اتساق سردي تاريخي وجغرافي يؤكد ذلك، وهذا النسق الذي جاء به السابع من أكتوبر يسعى، ما أعاد طرح المسألة اليهودية، المسألة البنيوية للدولة الصهيونية، ليس الدولة الفلسطينية، ما يعتبرها كل صهيوني حقيقي ناقضا لوجود دولته (إسرائيل).

والتشقق الذي بات صريحا في الشارع الصهيوني، ليس من دوافعه القلق السيكولوجي، ولا يستدرج العواطف فحسب، بل إنه من لزوم ما يلزم، لأن ما حدث لا شبيه له إلا ساعة قيام إسرائيل، فالقيامة الآن. فقد قالت يولاندا دياز نائبة رئيس الوزراء الإسباني: «نحن نعيش لحظة، يعتبر فيها القيام بالحد الأدنى أمرا بطوليا، لكنه غير كافٍ في الوقت ذاته»، زد على ذلك فإن دولة جنوب أفريقيا بحكومتها وشعبها قد تحولت إلى محامي فلسطين، وهذا يبعث برسالة أن دولة الأبارتايد إلى زوال، ما حصل في جنوب أفريقيا 1948 – 1990م .

من يتعب نفسه ويبحث عن صور مايو 1948م فإن المقارنة مع صور مايو 2024م، تكشف له أن سيناريو الدولة الصهيونية واحد: التدمير والتهجير، مضافا إليه آخر ما أنتجت مصانع السلاح الأميركية والأوربية. لكن سيناريو فلسطين مختلف لأن المقاومة في غزة تجاوزت كل احتساب في الزمان والمكان، هذه النقلة البنيوية الفلسطينية انسابت من خلال متغيرات دولية جيوسياسية وتقنية، بمثال أن المقاومة صانعة سلاحها، في عالم لم يعد العالم، وفي زمن سيبراني فيه السوشيال ميديا/صحافة المواطن، السلطة التي خرجت عن يد أية سلطة. ومن هذا كسب المواطن الفلسطيني الرهان في التواصل مع كل مواطن في الكرة، فاستجاب الضمير البشري مع القضية الفلسطينية ما لا شبيه لها، وقضية التحرير الوطني الوحيدة التي لم تنجز انتصارها بعد.