Atwasat

حكاية اللب الأحمق (4-5)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 27 مايو 2024, 10:47 مساء
محمد عقيلة العمامي

الثقافات هي التي تُحول الجسد من طبيعته إلى كيان معدل، ومصنوع حسبما يريد، ويتفق المجتمع عليه، وحسبما يظن أنه الأجمل أو الأسلم. غير أن الكاتب يريد أولا أن يبرز كيف تتعامل الثقافات مع جسد الأنثى، بحسب ما تريد (أي الثقافات)، وكذلك مبتغاها. ولكنه أراد أولا أن يكشف نوايا مبيتة في سيرة وسائل الاستبعاد، تمهيدا لطمسها، من الجسد المؤنث، على الأقل إبعادها عن الآخرين.

ويستهل توضيح ما هو بصدده بحكاية من حكايات الهنود الحمر وظفها لتفسير هو في الحقيقة واقعي؛ خلاصة الحكاية أن شابا وسيما، تائها في غابة ظل يسعى باحثا عما يسد رمقه، فسمع صوتا منغما لم يسمعه من قبل، فطفق يبحث عنه، إلى أن عثر على طائر (نقار الخشب) يعبث بقصبة طويلة ينفخ فيها، فيتدفق صوت جميل. فتعلم منه كيف يفعل ذلك، وبعد إلحاح، وممارسة، تعلم كيف يعزف أصواتا جميلة.

وكان لشيخ قبيلة ابنة عذراء فائقة الجمال، رفضت كل خطابها، سمعت عزف الشاب، فارتمت في حضنه، وقالت له: "أرسل أمك إلى أبي واطلبني منه، فأنا لك! وطفق يخلب ألباب الحسناوات بألحانه ويجعل أقدامهن تسير نقيض رؤوسهن!

فسر الاستاذ الغذّاميِ الحكاية بأن جسد المرأة بين قطبين الرأس والقدم، ولكن ما يقوله الرأس (العقل) يعمل ضد رغباتها، ولذلك ما يوجهها - يوجه الأنثى- هو عضو آخر لا يمتلك عقلا، إنها حاسة تحل محل العقل، وتوجه الجسد المؤنث، إنها القدم فهي التي تعرف ما يريد الجسد، ولعل في قولنا- أعني القول الليبي: "(ادب) الرجل وين يريد (الخاطر)" تفسر أن المرء يسعى نحو ما يأخذ عقله! ولقد أشارت خاتمة الحكاية إلى أن الشاب لم يكتفِ بعروسه، بل أخذ ينتقل من قبيلة إلى أخرى يسحر -أقدام- العذارى للحاق به!

وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، بل وحتى منتصف الستينيات، كانت دور العرض تخصص حفلة للنساء يوما في الأسبوع، وتعرض أفلاما في العشية لهن فقط، وكانت أغلب الأفلام غنائية، لعل فريد الأطرش كان نجم تلك الحفلات.

أخبرني صديق كان في مثل عمري، أو أكبر بقليل، وكان سليط اللسان، يطوف على المشاهدات يعرض عليهن من جردل يتحرك به بين صفوفهن، زجاجات المياه الغازية المثلجة، فالحفلات كانت في فصل الصيف. قال: "كانت المرأة مأخوذة بأغنية " سافر مع السلامة، فيما ترقص على أنغامها سامية جمال. قال: "تنهدت المرأة، وسمعتها تقول: "يا ليتك أخي!" فالتفت نحوها وقال: "أعتقد أنك تقصدين زوجك!" فردت ضاحكة وقالت له: "عيب تحشم!".

بالفعل النغم يأخذ المرأة، خصوصا عندما يكون نغما راقصا!

ويختتم الكاتب حكاية (اللب الأحمق) أن حكاية الهنود الحمر تعد قراءة ثقافية للجسد الأنثوي، الذي يقوم على إقصاء الرأس، والاستغناء عنه! موحيا أنه غير فاعل وغير مفيد، على عكس رأس الرجل الذي هو فعال ومنتج ومؤثر.

ومع احترامي، وكامل تقديري وإعجابي الشديد بتحليلاته إلاّ أنني لا أوافق - الهنود الحمر- على التعميم، فمن منا لا يعرف أن رؤوس رجال كثيرين غير فعالة او منتجة، أو مؤثرة. من الخطأ أن نتخذ قاعدة تشمل العقول الإنسانية كافة، ذكورية كانت أم أنثوية!