Atwasat

4/5 حكاية اللب الأحمق

بوابة الوسط - القاهرة الإثنين 27 مايو 2024, 12:20 مساء

الثقافات هي التي تُحول الجسد من طبيعته إلى كيان معدل ومصنوع حسبما يريد، ويتفق المجتمع عليه، وحسبما يظن أنه الأجمل أو الأسلم. غير أن كاتب حكاية «اللب الأحمق» لا يريد أولا أن يُبرز كيف تتعامل الثقافات مع جسد الأنثى بحسب ما يريدون، وكذلك مبتغاهم، ولكنه أراد أن يكشف نيات مبيتة في سيرة وسائل الاستبعاد، تمهيدا لطمسها من الجسد المؤنث، أو على الأقل إبعادها عن الآخرين، ويستهل توضيح ما هو بصدده بحكاية من حكايات الهنود الحمر، وظفها لتفسير هو في الحقيقة واقعي.

خلاصة الحكاية أن شابا وسيما، شائعا، في غابة ظل يسعى باحثا عما يسد رمقه، فسمع صوتا منغما لم يسمعه من قبل، فطفق يبحث عنه إلى أن عثر على طائر «نقار الخشب» يعبث بقصبة طويلة ينفخ فيها، فيتدفق منها صوت جميل، فتعلم منه كيف يفعل ذلك. وبعد إلحاح وممارسة، تعلم كيف يعزف أصواتا جميلة. وكان لشيخ قبيلة ابنة عذراء فائقة الجمال، رفضت كل خطابها، وسمعت عزف الشاب، فارتمت في حضنه، وقالت له: «أرسل أمك إلى أبي واطلبني منه، فأنا لك!»، وطفق يخلب ألباب الحسناوات بألحانه، ويجعل أقدامهن تسير نقيض رؤوسهن!

فسر الأستاذ الغذّاميِ الحكاية بأن جسد المرأة بين قطبي الرأس والقدم، ولكن ما يقوله الرأس (العقل) يعمل ضد رغباتها، ولذلك ما يوجهها - يوجه الأنثى- هو عضو آخر لا يمتلك عقلا.. إنها حاسة تحل محل العقل، وتوجه الجسد المؤنث.. إنها القدم التي تعرف ما يريد الجسد. ولعل في قولنا - أعني القول الليبي - «ادب الرجل وين يريد الخاطر» ما يفسر أن المرء يسعى نحو ما يأخذ عقله! ولقد أشارت خاتمة الحكاية إلى أن الشاب لم يكتف بعروسه، بل أخذ يتنقل من قبيلة إلى أخرى يسحر -أقدام- العذارى للحاق به!

وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، بل حتى منتصف الستينيات، كانت دور العرض تخصص حفلة للنساء يوما في الأسبوع، وتعرض أفلاما في العشية لهن فقط، وكانت أغلب الأفلام غنائية، ولعل فريد الأطرش كان نجم تلك الحفلات. أخبرني صديق كان في مثل عمري، أو أكبر بقليل، وكان سليط اللسان، يطوف على المشاهدات يعرض عليهن في جردل، يتحرك به بين صفوفهن، زجاجات المياه الغازية المثلجة، فالحفلات كانت في فصل الصيف: «كانت المرأة مأخوذة بأغنية «سافر مع السلامة» بينما ترقص على أنغامها سامية جمال». وقال: «تنهدت المرأة، وسمعتها تقول: يا ليتك أخي»! فالتف نحوها، وقال: «أعتقد أنك تقصدين زوجك»! فردت ضاحكة وقالت له: «عيب تحشم» !. بالفعل النغم يأخذ المرأة، خصوصا عندما يكون نغما راقصا!

ويختتم الكاتب حكاية «اللب الأحمق» بأن حكايا الهنود الحمر تعد قراءة ثقافية للجسد الأنثوي الذي يقوم على إقصاء الرأس، والاستغناء عنه! موحيا بأنه غير فاعل وغير مفيد، على عكس رأس الرجل الذي هو فعال ومنتج ومؤثر. ومع احترامي وكامل تقديري وإعجابي الشديد بتحليلاته، إلا أنني لا أوافق -الهنود الحمر- على التعميم، فمن منا لا يعرف أن رؤوس رجال كثيرين غير فعالة أو منتجة أو مؤثرة. من الخطأ أن نتخذ قاعدة تشمل العقول الإنسانية كافة، ذكورية كانت أم أنثوية!.