Atwasat

صيف انتخابي ساخن في أوروبا

جمعة بوكليب الأربعاء 15 مايو 2024, 04:37 مساء
جمعة بوكليب

المسافة الزمنية التي تفصلنا عن عقد انتخابات البرلمان الأوروبي تقل عن شهر. الاستعدادات والحملات الانتخابية في الدول الأعضاء في الاتحاد، تجري على قدم وساق بين مختلف الأحزاب للاستحواذ على أكبر نصيب من المقاعد، التي يبلغ عددها 720 مقعداً. التكهنات الإعلامية الغربية تشير إلى أن أحزاب اليمين المتشدد قد تستحوذ على 25 في المئة منها أو أكثر قليلاً.

ويبقى مهماً التذكير، بأن البرلمان الأوروبي كيان بلا سلطات، كونه ليس جسماً تشريعياً كما يُفترض؛ بل مجرد ختم تصديق على قرارات الرئاسة في بروكسل. وهو الكيان الوحيد في كل مؤسسات الاتحاد الأوروبي المنتخب شعبياً وليس بالتعيين.
أحزاب الهامش في أوروبا لم تعد هامشية.

المعلقون السياسيون الغربيون يرون أن أحزاب اليمين المتشدد هي أحزاب اليمين الآن. وأحزاب المتن (إن صح الوصف) أي الأحزاب الرئيسة، بدأت تفقد مواقعها وأنصارها لصالح من كانوا هامشيين.
ووفقاً لذلك، فإن المعركة الانتخابية المقبلة في الشهر المقبل ستكون مختلفة عن سابقاتها، لأننا من المحتمل أن نرى أحزاباً رئيسة في الساحة، عبر صناديق الانتخاب، تفقد مواقعها وأنصارها، وتُدفع شعبياً نحو الهامش. كما حدث للحزب الجمهوري الفرنسي خلال الانتخابات التشريعية الفرنسية الماضية.

في فرنسا، يتقدم حزب السيدة ماري لوبين المحسوب على اليمين المتشدد على حزب الرئيس إيمانويل ماكرون بنحو 18 نقطة في استبيانات الرأي العام. وفي إيطاليا، يتقدم حزب إخوة ايطاليا، الذي تترأسه السيدة جورجيا ميلوني، ويقود الائتلاف اليميني الحاكم استبيانات الرأي العام. السيدة ميلوني بدأت حملتها الانتخابية بزيارة رسمية إلى ليبيا مؤخراً، على أمل وضع ضغوط على المسؤولين في الحكومتين، في غرب البلاد وشرقها، لمنع وصول قوارب المهاجرين غير القانونيين إلى الساحل الإيطالي خلال هذه الفترة، بهدف الحفاظ على ترتيبها المتقدم في قائمة الانتخابات.

ما زالت قضية الهجرة غير القانونية تتمحور في المركز من اهتمامات الناخب الأوروبي، وتثير قلقه، بل وتؤثر على اختياراته السياسية. الإحصاءات الرسمية تؤكد وصول أزيد من 5 ملايين مهاجر في العام 2022 إلى دول الاتحاد. قلق الناخبين أفضى بدوره إلى زعزعة الأرض تحت أقدام السياسيين المعتدلين، من يمين ويسار الوسط، وقاد بعضهم إلى تبني سياسات الأحزاب المتشددة.

وعلى ما يبدو، فإن الأحزاب الرئيسة، في مختلف ساحات بلدان أوروبا، لم تولِ قلق الناخبين ما يستحق من اهتمام، أو لم تجد للأزمة حلولاً، أو الاثنين معاً. وهذا بدوره أفضى إلى اتساع مساحة القلق وتمددها، خاصة بين أبناء الطبقات العاملة، المهددين بفقدان وظائفهم لعمالة مهاجرة شابة ورخيصة، بأعداد كبيرة، قادمة من خلفيات ثقافية ودينية وعرقية مختلفة.

الأحزاب اليمينة المتشددة، بطبيعتها الانتهازية، قفزت في ذلك الفراغ، وتمكنت من حشد الناخبين حولها، بتأجيج نيران العداء ضد النخب الحاكمة وضد المهاجرين. تلك الأحزاب، أو أغلبها، بجذور غير خافية تعود إلى الحركتين الفاشية (حزب إخوة إيطاليا) والنازية (حزب البديل لألمانيا).

البعض من المعلقين الأوروبيين يعزو التفاف الناخبين حول أحزاب اليمين المتشدد إلى التغير الذي حدث في تلك الأحزاب. ويستشهدون بالتغيرات التي أحدثتها السيدة لوبين في حزب الجبهة الوطنية، وجعلته حزباً مختلفاً عن الذي أسسه أبوها السيد لوبين بتركيبته العنصرية، وأصبح مقبولاً شعبياً. بدأت بتغيير الاسم، ثم تغيير بعض السياسات. وعلى سبيل المثال، ألغت مطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن الموقف من الهجرة غير الشرعية ظل قائماً. والتغير الذي طاله هو أن العداء ضد المهاجرين، تحول إعلامياً إلى فئة معينة منهم، تقتات على ما تقدمه الحكومة من منح ورعاية اجتماعية للمعوزين.

في الانتخابات التشريعية الفرنسية الماضية، تمكن الحزب من الاستحواذ على نحو 80 مقعداً، وصار أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان الفرنسي للمرة الأولى. طي صفحة مطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يقتصر على حزب السيدة لوبين، بل طال أحزاباً أوروبية أخرى محسوبة على اليمين المتشدد، مثل حزب إخوة إيطاليا.

يرى بعض المعلقين أن عدم نجاح تجربة بريطانيا في بريكست ساهم في تعزيز التخلي عن مطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي لدى تلك الأحزاب.

هناك مخاوف كثيرة بدأت تظهر على السطح، وتبرز في تعليقات المحللين الغربيين. أهمها تزايد احتمال عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الخريف القادم والتي ستشجع على تزايد انتشار المد الشعبوي من جهة. ومن جهة أخرى، أنها سوف تدعم الأحزاب اليمينية المتشددة في مطلبها بوقف الحرب في أوكرانيا. وهناك قلق من أن تساهم تلك الأحزاب في عودة القارة العجوز إلى عواصف وصراعات وأجواء سياسية تنافسية، أودت بها إلى حروب كارثية في الماضي، كان يظن أنها لن تعود، بسبب الأثمان الباهظة التي كلفتها.

هناك من المعلقين من يعزو الأمر إلى فشل العولمة، الأمر الذي تسبب في عودة النزعات الشوفينية القومية، في عالم، يصفه معلقون، لم يعد مقسوماً أيديولوجياً، بل تكنولوجياً ومعرفياً.