Atwasat

تشريح القنفذ ـ خلاصة (31)

عمر الكدي الإثنين 01 أبريل 2024, 02:09 مساء
عمر الكدي

ليس للطاغية أصدقاء.. هناك أتباع وأعداء فقط. حتى أصدقاء الطفولة سرعان ما ينساهم عندما يصل إلى قمة طغيانه. ومع ذلك أسس القذافي رابطة عرفت باسم رابطة رفاق القائد.. ثم رابطة أخرى باسم رابطة أبناء رفاق القائد، وكانت لهم مزايا اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكنها لا تضم جميع الرفاق الذين عرفهم قبل انقلابه.

فالذين كانوا على خلاف معه، مهما كان هذا الخلاف، استبعدوا من هذه الرابطة. وللأمانة أشك في أن هذه الرابطة فكر فيها القذافي، فالطاغية يمتلئ بنفسه حتى لا يبقى مكان لأحد، ويبدو أنها فكرة أتى بها أحد الحذاق ليستثمرها في بلد ممنوع فيها الاستثمار بعيدا عن حاكمه وعائلته، ولقيت استجابة عند القذافي واستغلهم ليحكوا عن ذكائه وشجاعته وحكمته عندما كانوا تلاميذا صغارا في مدارس سبها ومصراتة، بل إنه كان يمنح هدايا قيمة لكل من ولد يوم انقلابه.

هل كان القذافي سعيدا؟ أعتقد أن معيار النجاح في الحياة هي السعادة وتحقيق الذات والأحلام التي بدأت صغيرة وكبرت، حقق القذافي كل ما يريد من سلطة وثروة وجبروت، ولكنه أبدا لم يكن سعيدا. في بداية مسيرته في السلطة كان لا ينام إلا ساعات قليلة في أكثر من مكان.

عاش يخشى من الاغتيال.. فكيف لمن يخشى من الموت أن يكون سعيدا؟. لم يعش القذافي حياة عائلية عادية مثل معظم الناس، كانت عائلته تعيش في مكان بينما يعيش هو في مكان محصن وحيدا، وكان من الجبن بحيث لم يجرؤ على أن يفعل مثلما فعل صدام حسين والملك عبدالله الثاني، اللذان كانا يتنكران على هيئة فقراء يراجعون إدارات الدولة.

كان القذافي يستريح للفزازنة أكثر من أبناء قبائل برقة وأبناء القبائل الغربية، لأنه أدرك مبكرا أن أهالي فزان لا يطمحون في السلطة مثل الآخرين. في أفضل الأحوال يريدون تحسين الخدمات في مناطقهم، ويبدو أن سبها وأهلها الطيبين بالفطرة استقبلوا القذافي عندما كان صبيا بما جبلوا عليه من كرم، على عكس مصراتة وبنغازي وطرابلس حيث شعر بالضآلة، ومع ذلك لم يعين أي فزاني في منصب رئيس الحكومة، وأعلى منصب من الناحية البروتوكولية حظي به محمد بالقاسم الزوي كأمين لمؤتمر الشعب العام، ولكنه منصب شرفي ليس فيه سلطات واسعة ولا أموال، بينما لم يقرب في الحلقة الأولى أحدا من قبائل برقة والمنطقة الغربية.

كان المقربون إما قذاذفة أو من فزان، وينتقي من برقة وطرابلس تكنوقراط ويسمح لهم بزيارته في وفود تقرأ وثائق العهد والمبايعة ويغادرون، وإذا قرب أحدا من هؤلاء فلأنه يجيد تسليته ومسامرته فقط، فالطاغية يحتاج من حين إلى آخر مثل هذه المسامرات.

وحتى يطمئن عمل القذافي على خلق عداوات بين كل من يحيط به. المنافسة الحادة بين عبدالله منصور وعلي الكيلاني مثلا، والتلاسن من حين وآخر بين عبدالله السنوسي وعبدالسلام الزادمة. كان الزادمة عندما يغضب من السنوسي يقول له «أنا دخلت بسلاحي وأنت دخلت بذيلك»، ولم يغضب القذافي أبدا من أبنائه إذا تطاولوا على الكبار مثل أبوبكر يونس ومصطفى الخروبي ورئيس الحكومة البغدادي المحمودي الذي جعله المعتصم يبكي عندما قذفه بهاتفه النقال.

ما الذي يمثله القذافي في خبرة الليبيين التاريخية؟ هل هو قائد استثنائي لم يفهمه شعبه، وكان يستحق شعبا أفضل من الليبيين لكي ينقل البلد من التخلف إلى التقدم. ربما هذا ما يعتقده القذافي في قرارة نفسه المظلمة، وعبر عن ذلك دون خجل عدة مرات عندما قال إن الكتاب الأخضر يصلح في سويسرا أكثر من ليبيا، وفي مرات أخرى قال إن سويسرا تقترب من سلطة الشعب.

حطم القذافي أهم ما كانت تمتلكه ليبيا، وهو المدن الصغيرة العريقة التي كانت تقود مسيرة التحديث، وكان يملك من الأموال لكي يطور هذه المدن، ويبني المزيد من المدن في الريف والبادية، ولكنه فعل عكس ذلك، وها نحن نعيش جميعا في مدن تعرضت لموجات مدمرة من الترييف والبدونة.

تحاشى السنوسي الكبير بدهاء المدن لأنها لا تحتاجه، حتى تجارة القوافل مع أفريقيا كان يصرفها في مطروح لدى القبائل البدوية المهاجرة، وتحاشى تصريف تجارته في بنغازي ودرنة، ومع ذلك استعان بالمتعلمين من الغرب لتعليم أتباعه، ويروى عن الملك إدريس أنه كان يوصي بتعيين أحد البدو في منصب وزير، فيقولون له ولكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فيرد عليهم أردفوه بواحد درناوي، أي أن يكون الوزير بدويا ووكيل الوزارة درناويا. من يصلح لهذا الدور من درنة اليوم بعد أن عصف بها التشدد؟. يبدو أن القذافي قبل أن يدخل مثل قنفذ في جحره الأخير ووزع جيناته على كل ليبيا. مات القنفذ ولكن جيناته تعمل بفعالية وستظل فعالة ومعدية إلى أن نجد مصلا ضد وباء القنافذ.

الوباء بدأ قبل القذافي بزمن طويل، منذ أن انقلب جمال عبدالناصر وعبد الكريم قاسم على النظام الملكي، ثم سلسلة الانقلابات في سوريا وانقلاب بومدين على بن بلا، كانت الانقلابات تبدأ بنوايا طيبة وبشعارات كبيرة، دون أن ندرك أن طريق الجحيم يبدأ بالنوايا الطيبة. مات عبدالناصر وعبدالكريم قاسم وهما لا يملكان شيئا تقريبا، ثم بدأ النظام يتفسخ على يد صدام حسين والقذافي وحافظ الأسد والشاذلي بن جديد وعلي عبدالله صالح، حتى وصل إلى موت يشبه موت النبي سليمان.

كان لا بد أن تأتي حشرة لتنخر عصا سليمان لنتأكد من موته. كل هذه المأساة بدأت بتأثير من وسائل الإعلام. سحرنا أحمد سعيد من صوت العرب بصوته المحرض، وبعد أربعين سنة سحرتنا مواقع التواصل الاجتماعي لنخرج في ثورة عمياء. ثورة لا تزال تتخبط في ظلام التاريخ.