Atwasat

تصفية الشعب: إجهاض لمشروع الدولة

سالم العوكلي الثلاثاء 20 فبراير 2024, 06:17 مساء
سالم العوكلي

تدعم القوى الغربية؛ التي نعتبرها قبلة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونسميها العالم الحر، أوكرانيا تحت شعار أنها تتعرض لاحتلال من جارتها روسيا المتوحشة، بينما وسائل إعلامها تنقل وتعيد وتكرر مشاهد طفل يُقتل أو يُجرح كجريمة حرب، أو عائلة تنزح، أو بيت يشب فيه حريق، وهو أمر يبدو في ظاهره أخلاقياً باعتبار أن شعباً آخر يتعرض لغزو واحتلال من قوة كبرى مدججة بالأسلحة الفتاكة. 

من جانب آخر تدعم هذه القوى نفسها الكيان الصهيوني المدجج بأسلحة فتاكة في غزوه واحتلاله لما تبقى من فلسطين المحتلة المتمثل في تلك المساحة التي يقطنها ملايين اللاجئين والنازحين من أراضيهم، ورغم الوصف الدارج لهذا التناقض بالقياس بمكيالين، إلا أنه يتعدى هذا الوصف إلى نوع من النفاق المعلن الذي يُدرج الأخلاق في جداول المصالح، فما يلبي مصالحهم أخلاقي حتى وإن كان إبادة شعب برمته، وما يتعارض معها لا أخلاقي وشرير حتى وإن كان دفاعاً عن أسرّة الأطفال. وحين تكون المصالح في أعلى سلم القيم يصبح الحديث عن الأخلاق مجرد هراء، لأنه، في هذه الحالة، مفهومي الخير والشر مرتبطان بمعايير القوة، فالقوي هو الخيّر والضعيف هو الشرير، والحق شأن إمبريالي لا علاقة له بالضعفاء. هذا ما يسمى النظام العالمي الجديد الذي بدأ تكريسه منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط القطب الشرقي الممثل في الاتحاد السوفياتي وحلفه ومناطق نفوذه، ما يعتبرونه انتصارهم العظيم الذي يرسخ المركزية الغربية التي تعتبر مقتل طفل أوكراني جريمة حرب، ومقتل أكثر من 15 ألف طفل فلسطيني لزوم حرب يصفونها بالدفاع عن النفس. 
أمام شعوبهم، يخرج بايدن، ورئيس فرنسا، وبريطانيا وألمانيا وهم يبررون دعمهم للشعب الأوكراني الذي يتعرض لغزو متوحش، وبالطبع ستوافق شريحة كبيرة من هذه الشعوب باعتبار أن ما يفعلونه هو الخير نفسه، مع أن مسألة أوكرانيا معقدة جداً، ومع أن الولايات المتحدة وهذه الدول نفسها هي سبب اشتعال الحرب بين أوكرانيا وروسيا، بل هم مهندسوها. تحاول روسيا أن تستخدم أسلحتها الذكية الدقيقة لتحاشي المدنيين ما وسعها ذلك وهي تبرر هذه الحرب بكونها دفاعاً عن أمنها القومي، وتدلل على ذلك بالكثير من الوقائع التي يخطط لها عدوها الأول الولايات المتحدة، فانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو خطر داهم على الوجود الروسي ، ووجود أكثر من عشرة مختبرات بيولوجية تمولها أميركا في دول الطوق حول روسيا خطر داهم، ووصول النازيين إلى الحكم في أوكرانيا يسعون لتصفية حسابات قديمة خطر.  

من جانب آخر، وبمنطق مختل، سيصطف الكيان الصهيوني مع أوكرانيا باعتبارها تتعرض لاحتلال، ورغم أنها بهذا المقياس شبيهة بفلسطين التي تتعرض لاحتلال، بل إن الأمر يتعدى هذه المفارقة حين يصطف الكيان الذي حاولت النازية إبادة قوميته مع بقايا النازيين الذي يحكمون أوكرانيا، ما يؤكد أولوية المصالح على أي قيم إنسانية أخرى، وأن النازية والصهيونية وجهان لعملة واحدة يتضافران في النهاية في سوق الإبادة العرقية.  
من الأخبار العاجلة: القوات الروسية تطلق 26 صاروخاً بعيد المدى، والنتيجة إصابة امرأة بجروح خطيرة، ويتبعه خبر آخر: يطلق الجيش الإسرائيلي صاروخاً على حي سكني في مخيم بغزة، والنتيجة 70 قتيلاً وأكثر من 100 مصاب، معظمهم من النساء والأطفال، ونحن نعرف أن أسلحة الكيان الصهيوني التي معظمها يأتي من أميركا وأوروبا لا تقل دقة عن أسلحة الجيش الروسي إن لم تكن أدق منها، لكن هذه الدقة التي كان الهدف منها تحاشي قتل المدنيين، يستخدمها الكيان الصهيوني بدقة لامتناهية لقتل أكبر عدد من المدنيين.  
منذ 80 عاماً، تقريبا، تأسست منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم التي فشلت في أن تمنع حرباً عالمية ثانية كارثية، وفي التأسيس الثاني حاول المجتهدون أن يتلافوا أخطاء تأسيس العصبة التي هيمنت عليها سريعاً القوى التي لا يستمر تاريخها إلا بالعنف، واستأنفت هذه المنظمة عملها من أجل السلام والتنمية ومساعدة الدول الفقيرة والمستقلة حديثاً، وأنجزت في سنواتها البريئة الأولى أعمالاً مهمة، غير أن شبح العصبة المتمثل في الدول الكبرى التي لا يناسبها السلام، ولا يناسب الاستقرار مزاجها أو اقتصادها أو قوة نفوذها، عاد من جديد واخترق هذه المنظمة التي سعت لأن تكون كل الدول المستقلة ممثلة فيها ولها صوت فيها، وعبر مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية وحق الفيتو تأسست عصبة جديدة داخل هذه المنظمة، وأصبح دورها ليس السلام ولكن إدارة النزاعات والحروب والتحكم فيها بشكل يحقق مصالحها، وخلال حقبة ما سموه الحرب الباردة أداروا أعتى الحروب على أراضي الدول الفقيرة التي مات فيها أضعاف من لقوا حتفهم في الحربين العالميتين، لكن طالما الحروب خارج أوروبا وامتدادها حلف الأطلسي فهي حرب باردة، وطالما ضحاياها ليسوا منهم فهي حروب في كوكب آخر. 

منظمة الأمم المتحدة تُقصف مقراتها ويُقتل عاملوها بالمئات في غزة، وما زالت عاجزة تماماً أمام حرب إبادة تقودها هذه القوى المتغنية بالسلام عبر وكيلها الصهيوني في الشرق الأوسط، تدعم الكيان الصهيوني وجيشه المدجج أصلاً بكل أسلحة الفتك الحديثة، وحاملات طائراتها تجوب المنطقة تحسباً، ومع كل هذا الدعم المعنوي والسياسي واللوجستي سخرت شبكاتها الإعلامية الكبرى لتقلب الحقائق، ولتجعل من غزو وقتل آلاف الأطفال وملاحقتهم حتى في المستشفيات، دفاعاً عن النفس وحرباً على الإرهاب، أو حرباً من أجل الديمقراطية. 
لم يتبق في هذا العالم المتوحش سوى نبض ضمير خافت يحاول أن يعري هذه الإبادة وأن يُخرج الحقائق للعالم المشوش، عبر المظاهرات وعبر التقنيات الرقمية الشرقية الناجية من الرقابة والحجب والتلفيق، وعبر هذا الضمير النشط كان الكيان الصهيوني يتعرى ويفقد في أسابيع ما أنجزه في سنين طويلة من محاولة تضليل للرأي العالمي، وإيهامه بأن هذا الكيان مسكين وسط وحوش يحاول أن يقيم دولته الديمقراطية في قلب صحراء الاستبداد، وأمام هذا التمسكن المتقن لكيان نووي شرير سعى عالم العصبة السابق لأن يدبج أول قانون من نوعه في تاريخ البشرية: قانون معاداة السامية الذي يحمي عرقاً محدداً في هذا الكون، وليحمي فعلاً عصابات مجرمة لا تختلف عن عصابات الرايخ التي نكلت بأوروبا كلها تحت اللافتة نفسها، عرق متفوق ونقي وسط الهمج. 
 
المركزية الأوروبية تفرز في وعيها، أو لاوعيها، السامي الأبيض المتحضر عن السامي الأسمر الهمجي، فاليهودي الأوروبي الأبيض الذي كانت تعتبره لا أوروبياً ولا آرياً، ومارست تجاهه عمليات إبادة ممنهجة كانت سبباً في بروز مصطلح معاداة السامية، سيصبح حين ينفى وسط الساميين (الهمج) أوروبياً أبيض من جديد، ما يجعل الكيان الصهيوني دولة أوروبية تقبع في قلب الشرق الأوسط ، «فيصح حينها (من ذاك البعد) أن تشارك «إسرائيل» في المحافل الأوروبية باعتبارها جزءاً من أوروبا: ابتداء من الاقتصاد والسياسة، ووصولاً إلى مسابقة الأغنية الأوروبية، ودوري أبطال أوروبا لكرة القدم، وبطولة أوروبا لكرة السلة». كما يقول هشام البستاني في مقالته المهمة «دعم الصهيونية تطهيراً للضمير الأوروبي المثقل بالجرائم: أمبرتو إيكو نموذجاً» ولذلك كل ما سيفعله هذا الكيان سيكون طبيعياً بالنسبة للقوى الغربية التي لها تاريخ طويل من الاستعمار وإبادة الشعوب، وسيندرج تاريخ هذا الكيان المغتصب ضمن تاريخ أوروبا الاستعماري والاستيطاني، ويضيف البستاني: «تحقق هذه الآلية غرضاً مزدوجاً، ذا طابع عنصري مزدوج: أنسنة لليهودي ما دام خارج المجال الأوروبي، وهو أمر يحفزه على المغادرة ليتأنسن، من خلال تحوله إلى مستعمر (في حالة الصهيونية)، مرتفعاً -بالتالي- إلى مصاف مضطهده السابق، الأوروبي، المستعمر بدوره، أي: لا ينظر إلى اليهودي كإنسان إلا في حال انسلاخه القاري الأوروبي من جهة، وتحوله إلى مستعمر «أبيض» من الجهة الثانية في سياق المركزانية الأوروبية البيضاء (الأميركية الأوروبية)، التي لا ترى قيمة إلا بنفسها، ولا معياراً إلا بالقياس إلى ذاتها. وبشكل عكسي، تستدعي هذه الأنسنة «حيونة» للمستعمرين، فيصيرون همجا، أو امتداداً لأشياء الطبيعة التي يجب أن تستخدم أو تُروَّض، ويصبح العنف المرتكب من قبلهم ضدّ المستعمر الصهيوني، «الأبيض»، مهما خفت شدته، إرهاباً، ويضخم بشكل هائل، ويأخذ طابعاً شخصياً؛ أما العنف الذي يرتكبه المستعمر الصهيوني، مهما بلغت شدته، فيتم التغاضي عنه باعتباره «ضرورة» تمدينية: إدانة لفظية في أحسن الأحوال، وتشجيع ودعم في أسوئه». 

وكل هذا النفاق ينتعش تحت مظلة النظام العالمي الذي أُرسي بعد تراجع المحور الشرقي، ولأن الكيان الصهيوني بحساباته (الدقيقة) غالباً يدرك مؤشرات دخول نظام عالمي جديد سوف يكون ضد كل خططه الاستيطانية ومحفزاً لقيام دولة فلسطينية، فإنه بهذه الحرب الشرسة العجولة يسابق الزمن، لعل النظام العالمي الجديد لن يجد بشراً كي يقيم لهم دولة فلسطينية. وشعارهم اقض على الشعب كي تجهض مشروع الدولة التي تستلزم شعباً.