Atwasat

الولايات المتحدة الأميركية هزيمة حماس والباقي تفاصيل

صالح السنوسي الثلاثاء 16 يناير 2024, 12:34 مساء
صالح السنوسي

عند تتبع تاريخ حركات المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الاستيطاني، نجد أنه قد وقعت بعض التجاوزات من طرف هذه الحركات كردة فعل غير مسيطر عليها بسبب الوحشية والهمجية التي تمارسها القوة الاستعمارية على أبناء شعب هذه الحركات الواقعين تحت نير العبودية وبسبب مشاركة المستوطنين في الحرب، كما كان الحال مع المقاومة الجزائرية وما هو واقع اليوم مع المستوطنين الإسرائيليين، فهذه التجاوزات لا تنفي عنها صفة المقاومة الوطنية ولا تسبغ عليها صفة المنظمات الإرهابية العمياء؛ بل تظل مجرد تجاوزات ضئيلة مقارنة بما يسميه الغرب في حروبه الاستعمارية بالخسائر الجانبية للحروب التي قتل فيها ملايين المدنيين في العراق وفيتنام والجزائر وغيرها، وهي الحجة ذاتها التي تستند عليها إسرائيل في القتل الجماعي للفلسطينيين في المستشفيات والمدارس والمنازل وفي الشوارع، بل ذهبت إلى حد الإعلان عن أنها لم تعد تقتل سوى ثلاثة فلسطينيين مقابل مقاتل من حماس، وذلك استجابة لما تتمناه عليها الولايات المتحدة بالتقليل بقدر ما تستطيع من عدد الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين الذين تضطر لقتلهم يومياً في غزة، وهذا هو عين المقترح الذي أتى به بلينكن وزير الخارجية الأميركي في جولته الأخيرة، وهو ما تسميه الولايات المتحدة بالعمليات النوعية وهذا يعني:

أولاً: استمرار الحرب وشرعنة الإجرام والقتل العلني للمدنيين بطريقة ممنهجة، ولا أحد يستطيع تفعيل قواعد القانون الدولي الآمرة ولا قواعد القانون الدولي الإنساني ضد رغبة الولايات المتحدة والغرب، وهم في الحقيقة الذين وضعوا هذه القواعد إبان الحروب بين الأمم الغربية لتحكم العلاقات في ما بينها في زمن الحرب وليس من أجل أن تنظم سلوكيات هذه الأمم المتحضرة أثناء الحروب التي تقوم بها ضد شعوب مستعمراتها البربرية، وليس هناك تناقض بين هذه المعايير المزدوجة، لأنها في الواقع تخضع لمنطق موحد صارم مترابط بحلقاته الثقافية والمادية والمصلحية تتميز به حضارة تبنت مفهومين للإنسان منذ فولتير وكوندرسيه إلى صامويل هنتنجتون، الذي توج هذا المنطق في القرن العشرين بتأكيده على أن عالم الصراع بين الحضارات لا بد أن يكون عالماً مزدوج المقاييس، تطبق فيه الدول مقياساً على الدول التي تماثلها وتربطها بها صلة قرابة ومقياساً مختلفاً على الدول الأخرى.

ثانياً: الخلاف بين الولايات المتحدة وحكومة نتنياهو ليس على الأهداف النهائية للحرب، فهزيمة حماس – حسب تعبيرهم- هو مطلب أميركي غربي قبل أن يكون إسرائيلياً، لأنه متعلق بثوابت استراتيجية الغرب، ولكن الخلاف يدور فقط على الطريقة التي تدار بها هذه الحرب للوصول إلى أهدافها المبتغاة، فليس من الحكمة في نظر الولايات المتحدة الحديث أو محاولة تهجير من تبقى حياً من سكان غزة أثناء الحرب، لأن ذلك قد يخلق زلزالاً لا تمكن السيطرة علي نتائجه في بلدان تحرص الولايات المتحدة بشدة على استقرارها السياسي.

ثالثاً: إن هذه المرحلة في نظر الولايات المتحدة هي مرحلة الوعود والوعيد في آن واحد وليس فقط التوعد بالقضاء على حماس وتهجير من تبقى حياً من سكان غزة وإحلال المستوطنين في مكانهم وإخراج حزب الله من جنوب لبنان، فالحديث عن كل هذه الأهداف والإعلان عنها من قبل الحكومة الإسرائيلية بينما الحرب لا تزال قائمة، يصب في مصلحة حماس ويزيد من مصداقية مقاومتها ويحرج الأنظمة العربية التي تحرض وتشجع إسرائيل سراً على القضاء على حماس، فوجهة نظر الولايات المتحدة على ما يبدو هي أنه بعد القضاء على حماس سيتبدى مشهد آخر تصبح فيه وعود الدولتين وعدم التهجير وتوحيد الضفة والقطاع وعدم ضم غزة إلى إسرائيل وإقامة المستوطنات فيها، ضرباً من الخيال لا يطالب به صاحب عقل بالنظر للمشهد المأساوي الذى سيكون عليه قطاع غزة غير القابل للحياة، فتصبح الهجرة الطوعية إلى بلدان ستتبرع بذلك، هي الحل العقلاني الوحيد لهذا المأزق الذي صنعته حماس الإرهابية.

في ظل وضع تظهر فيه إسرائيل منتصرة وحماس مهزومة وغزة مدمرة تعتقد الولايات المتحدة - على ما يبدو- جازمة بأن أنظمة عربية كثيرة ستتحرر وتظهر شماتتها كما يحدث عادة في عشية أية هزيمة عربية، وستتولى ذلك النخب الزبونية المدافعة عن هذه الأنظمة لتصف حماس بالذراع الإيرانية في المنطقة التي دفعتها إيران إلى خيار كارثي على الشعب الفلسطيني حتى أوصلته إلى وضع لا يستطيع العرب أن يفعلوا حياله شيئاً، ولتؤكد عقلانية وصحة خيارات التطبيع والتعاون وعدم التحرش العسكري بإسرائيل المدعومة من الغرب سواء في صورة حرب أو في صورة مقاومة مسلحة عبثية لا تجر إلا إلى الهزيمة وضياع المزيد من الأراضي، وبالتالي فإن ضم قطاع غزة إلى إسرائيل سيصبح أمراً واقعاً كغيره من الأراضي التي سبق وأن ضمتها إسرائيل واعترف الغرب بشرعية ضمها في أعقاب حروب خاسرة قامت بها أنظمة لا تقل في انعدام عقلانيتها عن حماس، ولهذا فإن أقصى ما يمكن تأمله من الولايات المتحدة وإسرائيل هو أن تفتحا باب الهجرة الطوعية إلى بلدان مغرية يعيش فيها هؤلاء بكرامة فيريحون ويستريحون، وهذا خير لهم من التمسك بالبقاء في خرائب غزة التي جنت عليها حماس.

في ظل وضع تكون فيع حماس مهزومة هزيمة ساحقة - كما تتوقع وتريد الولايات المتحدة - وإسرائيل منتصرة معربدة في الشرق الأوسط فإنه سيكون حسب الرؤية الأميركية من السهل كثيراً التعامل مع حزب الله، الذي سيخير بين مصير حماس أو الخروج من الجنوب اللبناني إلى الداخل حيث لا يكون لوجوده ولا لسلاحه حجة ولا معنى في نظر معظم اللبنانيين وعندها سيجري تحريض بعض القوى اللبنانية للدخول معه في صراع يفتح الباب أمام مد يد العون العسكري الإسرائيلي والأميركي والكثير من الأنظمة العربية بدعوى محاربة النفوذ الشيعي الإيراني، كل ذلك يحدث تحت ظروف مواتية وأفضل من الآن.

هكذا على الأغلب توضح الولايات المتحدة وجهة نظرها لإسرائيل وتطمئنها بأنه بعد القضاء على حماس في غزة سيكون التعاون والاندماج والتحالف هي الكلمات المفتاحية في العلاقات بينها وبين الأنظمة السياسية العربية التي تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، بل إن القوي من هذه الأنظمة والذي لا يخشى من محكوميه أخذ يعلن عن هذه النية والحرب لا تزال مشتعلة، وهذا ما لمسه وصرح به الوزير بلينكن في جولته الأخيرة حيث التقى فيها بالكثير ممن وصفهم بالزعماء العرب الذين أكدوا له انفتاحهم على التعاون مع إسرائيل وإدماجها في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب وبداية المسار السياسي لحل الدولتين.

لا شك أن بلينكن الذي يجلس مع هؤلاء في غرف مقفلة يعلم بأنهم مثله يقصدون بنهاية الحرب القضاء على حماس وأن التعاون والتحالف والاندماج مرهون بذلك، أما حل الدولتين فهو حجة لحفظ ماء وجوههم وهو يتفهم لهم ذلك في هذه المرحلة لأنهم سيكونون في حِل منها عشية انتصار إسرائيلي مدوٍ يخلق وقائع جديدة لن يكون بوسع أحد مساءلة إسرائيل عن دولة فلسطينية لعدة أجيال قادمة.

إذن، حسب ما يبدو من الرؤية الأميركية، فإن انتصار إسرائيل إذا ما تحقق سيجب ما كان قبله من الوعود والسرديات والخطابات العلنية للأنظمة السياسية العربية لحفظ ماء وجهها في المرحلة غير اليقينية من الحرب، ولن يكون هذا الانتصار، في حالة تحققه، مجرد رد للثأر واسترداد لكرامة إسرائيل وتجذير لوجودها، بل قبل ذلك وبعده هو دفاع عن استراتيجية عمرها أكثر من قرنين، وهذا ما ألمح إليه وزير الدفاع الإسرائيلي عندما قال: إذا أرادت إسرائيل أن تبقى في الشرق الأوسط فعليها أن تنتصر.

أي أن إسرائيل لا يمكن لها البقاء إلا في شرق أوسط مهزوم وكذا الحال مع استراتيجية الغرب.