Atwasat

ينهزمون كما انهزم الأمريكان في فيتنام!

سالم الهنداوي الخميس 07 ديسمبر 2023, 04:31 مساء
سالم الهنداوي

.. عاش "الكيان الصهيوني" في منطقة الشرق الأوسط برعاية مُطلقة من الولايات المتّحدة لأكثر من سبعة عقود من الدعم السياسي والعسكري اللوجستي غير المحدود، على حساب التجويع والتهجير والإرهاب والحروب المتتالية على الفلسطينيين، في سابقة تاريخية برهنت على الطغيان الأمريكي وانتهاكه لحق الشعب الفلسطيني في الوجود والحياة، وما الجريمة النكراء الكُبرى التي وُصفت بـ "حرب الإبادة" إلّا الدليل القاطع على أن إسرائيل هي أمريكا وأمريكا هي إسرائيل "الولاية الواحدة والخمسين" بمكانها الجغرافي في منطقة الشرق الأوسط، وهي أكبر قواعدها السياسية والعسكرية في العالم على الإطلاق، مساحة وعتاداً ونفوذاً في المنطقة.

عادت بنا الحرب الإسرائيلية على "غزّة" 2023 إلى الحرب الأمريكية الطويلة على "فيتنام" العام 1955، والتي اشتعلت بانسحاب فرنسا من فيتنام كما انسحاب بريطانيا من فلسطين ليدخل اليهود كما دخل الأمريكان، وبذات الصراع الذي خلقته فرنسا بين الزعيمين الفيتناميين، الشمالي والجنوبي، تماماً كما حاولت إسرائيل اختلاقه بين الزعيمين الفلسطينيين في الضفّة والقطاع.. لكن غزّة ورام الله في فلسطين وإن اختلفتا ايديولوجياً لم تدخلا حرباً كما "هانوي" و"سايغون" في فيتنام..

تعود أسباب التدخُّل الأمريكي في فيتنام إلى حرب التحرير التي قادها الفيتناميون ضد المستعمِر الفرنسي والتي استمرّت ثماني سنوات (1946-1954)، وكانت فيتنام قد تعرضت لاحتلال ياباني مع نهاية الحرب العالمية الثانية كما تعرّضت فلسطين للاحتلال البريطاني، وكان الهدف من الحرب الأمريكية في فيتنام هو تقييد التوسُّع الشيوعي في الهند الصينية لاعتقادها بأنه سيؤدي إلى استيلاء الشيوعيين على السلطة في "تايلاند ولاوس والملايو" والمناطق التي أصبحت فيما بعد فيتنام، إضافة إلى الاعتقاد بأن هذا التوسُّع الشيوعي ربما سيؤدي إلى تغيير ميزان القوى في جميع أنحاء آسيا.

أمًا في فلسطين فقد كان الانتداب البريطاني على فلسطين، أو الاحتلال البريطاني لفلسطين، هو كيان "جيوسياسي" سابق نشأ في منطقتي فلسطين و‌شرق الأردن عام 1920 واستمر لما يزيد عن عقدين ونصف من الزمن (1920-1948)، وذلك ضمن الحدود التي قرّرتها بريطانيا وفرنسا بعد سقوط الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة "سيفر"، فقد دخلت بريطانيا فلسطين بعدما تلاقت مصالحها الاستعمارية مع "الحركة الصهيونية"، وبدخولها أنهت نحو 400 عام من "الحُكم العثماني" عقب معارك حامية دارت بين الطرفين داخل الأراضي الفلسطينية خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917، ليبدأ بعدها تاريخ من الاضطهادات والتشريد والقمع بحق الفلسطينيين، مع تغيير ديموغرافية الأرض الفلسطينية باستقطاب الهجرة اليهودية على مدار الانتداب حتى إعلان إنهائه عام 1948 وهو عام نكبة فلسطين.

والنكبة مصطلح فلسطيني عبّر عن المأساة الإنسانية المتعلِّقة بتشريد عدد كبير من الشعب الفلسطيني خارج دياره، وهدم معظم معالم مجتمعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية عام 1948، وهي سنة قيام الدولة اليهودية "إسرائيل" باحتلال معظم أراضي فلسطين من قِبل "الحركة الصهيونية"، وطرد ما يربو عن 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وتحويلهم إلى لاجئين، كما شملت الأحداث حينها وقوع عشرات المجازر والفظائع وأعمال النهب ضد الفلسطينيين، وهدم أكثر من 500 قرية فلسطينية، إضافة إلى تدمير المدن الفلسطينية الرئيسية وتحويلها إلى مدن للمستوطنين اليهود. كما قامت الحركة بطرد معظم القبائل البدوية التي كانت تعيش في "النقب" في محاولة لتدمير الهوية الفلسطينية ومحو الأسماء الجغرافية العربية وتبديلها بأسماء عبرية مع التغيير في الطبيعة العربية الأصلية لفلسطين التاريخية وخلق الطراز الأوروبي لواجهاتها، وهو ما نراه اليوم في يافا وحيفا والناصرة والقدس الغربية.

عاش الفلسطينيون صراعاً طويلاً مع "الاستعمار" بمختلف أشكاله، من الاحتلال العثماني إلى الاستعمار الفرنسي والبريطاني في الحرب العالمية الأولى، وليدفع بهم الانتداب البريطاني في الصفقة الخسيسة مع "اليهود" الذين جثموا على تراب فلسطين بالتوراة المزعومة وبالروايات اليهودية المزيّفة، وجعلوها أرض ميعاد ليهود الشتات.. واليوم يبدو وجه المقاربة واضحاً في "الحرب الأيديولوجية" بين خسارة أمريكا لحربها ضد الشيوعيين في "فيتنام" قبل سبعة عقود، وخسارة إسرائيل لحربها الحالية ضد المسلمين في "غزّة"، مع اختلاف العدّة والعتاد بين الحربيْن وفارق الزمنيْن، لكن يظل السلاح الذي يضرب المسلمين اليوم في "غزّة" 2023 هو ذاته السلاح الأمريكي الذي كان ضرب الشيوعيين في فيتنام عام 1955.. ومثلما خسرت أمريكا حربها أمام المقاومة الفيتنامية، تخسر إسرائيل اليوم حربها أمام المقاومة الفلسطينية، وأن وصمة العار والفضيحة التي لاحقت تاريخ أمريكا لسبعة عقود، ستلاحق "إسرائيل" ولكن لزمن قصير لا يربو على بضع سنين.