Atwasat

من سيحظى بالجائزة؟

جمعة بوكليب الخميس 07 ديسمبر 2023, 02:46 مساء
جمعة بوكليب

قرأتُ الخبر، يوم الخميس الماضي، منشوراً في زاوية صغيرة في صفحة داخلية بجريدة بريطانية. ويبدو غير لافت للانتباه. بل يوحي وكأن إدارة الجريدة بنشره أرادت ملء فراغ صغير لا غير. وإلى جانبه، ربما على أمل أن تلفت انتباه القرّاء، نشرت صورة رجل كهل، آسيوي الملامح، يقود دراجة هوائية.
وفي زمن تسوده الأزمات على المستويات كافة، في مختلف مناطق العالم، يشعر القاريء لدى قراءته الخبر أن في هذه الدنيا التي تزداد ضيقاً من كثرة ما يلم بها من كوارث وفظائع وحروب، يوجد فعلياً متسع لأشياء أخرى عديدة إيجابية، ومهمة للإنسانية، تعوّضها عما تواجهه من كوارث الطبيعة والأوبئة وفظائع الحروب، وعودة الأحزاب اليمينية الفاشية وصعودها للحكم في دول عدة، كانت منذ سنوات قليلة مضت، حصوناً منيعةً لليبرالية والانفتاح.

عنوان الخبر: «110 ملايين دولار أميركي جائزة لمحاربة الشيخوخة» وببنط أكبر وبلون مختلف، ظهر فوقه عنوان آخر: «دورة الحياة. الجوائز المالية الكبيرة» اللافت للأنظار، كما نعلم، يتعثر بها المرء، هذه الأيام، في برامج اليانصيب في مختلف القنوات التلفزيونية، أو على ما نحوها من برامج.
وأن تخصص جائزة مالية بقيمة كالمذكورة أعلاه لأمر علمي ولفائدة البشرية فأمر لا بد أن يستوقف البعض من القرّاء، خاصة المهتمين والمتخصصين، ومن يعنيهم الأمر. وربما يستهوي كذلك بعض القراء الضجرين أمثالي، ممن ما زالوا، رغم تبدل الزمن، يحرصون على قراءة الصحف الورقية باهتمام، وملّوا أخيرا من متابعة وقراءة أخبار وتقارير الحروب والكوارث والفظائع، وفي حاجة إلى قراءة خبر يختلف شكلاً ومحتوى ربما يعيد ثقتهم بالبشر وبالحياة، وباحتمال العيش في عالم مسالم، ترفرف عليه رايات الأخوة، وينعم بالاستقرار والتعاون والازدهار. تلك الثقة صارت تتآكل بسرعة بمرور الوقت وتكاثر الأزمات وتوالد الحروب وانحسار السلام في العالم.

الخبر الصغير في حجمه، الكبير في محتواه وأهميته، يقول إن مؤسسة علمية أميركية، تسمى «إكس برايز» تعرض المكافأة المذكورة لأي فريق بحث علمي في مسابقة مفتوحة أمام فرق الباحثين يتمكن من تطوير علاج بإمكانه استعادة وظائف العضلات والدماغ والمناعة للبالغين من العمر ما بين 65-80 عاماً. وأن العلاج يجب أن يفضي إلى تحسّن مساوٍ لإعادة ساعة الزمن صحّياً لمدة عشر سنوات على الأقل، وأن الهدف الأقصى 20 عاماً. على شرط أن تستغرق مدة العلاج عاماً واحداً أو أقل. ومدة المسابقة سبع سنوات.

ويختتم الخبر بالإشارة إلى أن هناك دراسات علمية أُنجزتْ في جامعات أكسفورد وهارفارد وجامعة لندن للأعمال، وصلت في نتائجها إلى أن إضافة عام واحد صحّي إلى عمر السكان في العالم، يضيف ما قيمته 38 تريليون دولار أميركي إلى الاقتصاد العالمي.
أسبابٌ كثيرة، لم يذكرها الخبر، تكمن وراء المسابقة والجائزة. أهمها أن نسبة كبيرة من الدول خاصة في الدول الصناعية المتقدمة تعاني من تعاظم ارتفاع ميزانية رعاية المسنّين. توفر العناية الصحّية، زاد في نسبة ارتفاع معدلات العمر، مما يعني ارتفاعا في نسبة كبار السن، من المتقاعدين، مقابل نقص ملحوظ وكبير في نسبة المواليد. وهناك خوف لم يعد خافياً، ويتداول في العلن، من مغبّة النقص الديمغرافي وتأثيراته المستقبلية السلبية اقتصادياً، خاصة على مداخيل تلك الدول ضرائبياً. ومن المنطق أن يكون ذلك النقص مدعاة إلى تبنّي سياسات تقوم على تشجيع الهجرة إلى تلك البلدان لسد النقص.

وما يحدث حقيقة مخالف لذلك. فقضايا الهجرة والمهاجرين أحدثت أزمات سياسية لم تجد لها معظم الدول الأوروبية وغيرها حلولاً. بل وتسببت في فتح الأبواب أمام أحزاب هامشية، بدوافع وأهداف عنصرية، تمكنت عبر صناديق الانتخابات من الوصول إلى الحكم. ونظراً لفشل كل الحلول في وقف المهاجرين القادمين من دول عديدة هرباً من الفقر والحروب، بحثاً عن مواطن عمل تضمن لهم ولعائلاتهم حياة كريمة وآمنة، استدعى الأمر تدخل المؤسسات العلمية الأهلية، على أمل تشجيع العلماء والباحثين على توفير علاجات تتيح احتفاظ الكهول بصحّتهم، وتمديد سنوات عملهم، بما يكفل سدّ الفراغ في مواطن الشغل، وتقليل الإنفاق الحكومي على رعاية المسنين، وضمان عدم تعطل عجلة الإنتاج اقتصادياً.

ومن دون شك، فإن الخبر مدعاة لبهجة كل أولئك الذين بلغوا من العمر سنّ الستين وأزيد، أو يقتربون منها. وعلى أمل أن يتمكن البحاثة والعلماء، خلال السنوات السبع المقبلة، من العثور على علاج مناسب يضخّ بدم الحياة في الخلايا الجسدية المتهالكة للكهول، بما يضمن استمرار مشاركتهم ومساهمتهم إيجابياً في الحياة.