Atwasat

البحثُ عن فرحٍ مراوغ

جمعة بوكليب الأربعاء 29 نوفمبر 2023, 03:52 مساء
جمعة بوكليب

عيد الميلاد المجيد «الكريسماس» يدنو مقتربًا من الأبواب، مُحمّلًا، كالعادة، بصرره المعهودة، مثقلة بالهدايا والحلوى، وبالجديد من الأحلام والأمنيات والصلوات: هللويا.

وفي لندن تحديدًا، وكل المدن البريطانية عمومًا، بدأت الاستعدادات، على قدم وساق، لاستقباله منذ أكثر من شهر مضى. اللافتاتُ متنوعة الألوان والأشكال والأحجام، والإعلانات متعددة اللغات واللهجات، والأضواء تتلألأ كالنجوم، والزيناتُ أعراسٌ بهيجة، وكلها علامات لا تخطئها العيون المتلهفة إلى الاحتفال بالعيد القادم من بعيد، وإلى اقتناء أجمل الثياب والهدايا فرحًا باللقاء المرتقب. وهي، في ذات الوقت، نفس العيون التي تتأذى من صور القتلى من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، منقولة مباشرة من مواقع المعارك، في مختلف المحطات التلفزيونية، وفي غيرها من وسائل الإعلام. فما تفسير ذلك؟

مع اقتراب الاحتفال بعيد الميلاد المجيد (الكريسماس)، يبدو التجوال في شوارع عواصم غربية لافتًا للاهتمام، ومثيرًا للدهشة وللإحباط معًا. مبعث الدهشة هو ذلك التوهج الإنساني النبيل، رغم قسوة الطقس، الذي ينبثق فجأة في وجوه البشر، وهم يزدحمون في الأسواق والمتاجر والمقاهي والمطاعم ابتهاجًا بقرب العيد، وكأن معجزة ستحلّ قريبًا بالأرض - معجزة الميلاد - وعليهم الاستعداد لها والتهيؤ لاستقبالها بما يليق بها من بهجة وحبور.

مبعث الإحباط هو أن ذلك التوهج الإنساني يأتي مقابل تجاهل (متعمد أو بحسن نيّة) إزاء ما يحدث من قتل ودمار في غزة وفي أوكرانيا، وفي السودان، وغيرها من مناطق العالم المشتعلة، حيث ترخص قيمة الذات البشرية، وتتحول إلى مجرد رقم باهت، ضمن أرقام إحصائيات رسمية، تُعدّ وتنشر في وسائل الإعلام بأعداد الموتى والمفقودين والجرحى والنازحين والمشردين واللاجئين، الأمر الذي يجعل المرء يحسّ وكأن ما يحدث في تلك البقع الداكنة بالدم وبالمعاناة على خريطة العالم ينتمي إلى عالم آخر لا علاقة له بنا، ولا صلة لنا به.

ربما يقع في كوكب آخر، لا نود حتى معرفة اسمه. هل هي فرحة الميلاد التي تحجب رعب الموت، أم أنها لامبالاة البشر بالبشر؟

كيف يمكننا التزاحم في الأسواق رغبة في اقتناء الجديد من الثياب، واللذيذ من الطعام والشراب، ونحن على وعي وإدراك بأن بشرًا مثلنا، في جهات عديدة من العالم، من لحم ودم وأحلام، في ذات اللحظة، يعيشون تحت تهديد الموت، وعاجزون عن إيجاد كسرة خبز وجرعة ماء، ويبيتون في خيام أو في العراء، هربًا من موت يلاحقهم، على هيئة صواريخ حارقة خارقة، وقنابل وقذائف مميتة تصلهم من كل الجهات والاتجاهات، برًّا وبحرًا وجوًّا؟

أخبار الحرب في أوكرانيا، لم تعد تحتل عناوين الصفحات الأولى من الصحف في بريطانيا، بل اختفت سريعًا لدى اشتعال الحرب في غزة، وبدأت تظهر من حين لآخر، داخل الصفحات الداخلية، قريبًا من صفحات الطبخ والتسالي. الحرب المميتة في السودان، اختفت كلية، حتى من الصفحات الداخلية. حاليًا، أخبار مجازر غزة تستحوذ على الاهتمام، وعلى نشرات الأخبار، وعناوين الصحف، وتستأثر بمواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

الموت والحياة يسيران يدًا بيد في حياتنا. والأمر ليس وليد اليوم، بل يمتد أحقابًا للخلف في التاريخ الإنساني. وتفسيري الشخصي لذلك، وأتمنى ألا أكون مخطئا، هو أن حاجة البشر الملحة والماسّة للفرح والبهجة، لا تجد إشباعًا في الحياة الواقعية اليومية، مما يجعل النفس الإنسانية قلقة، تتوق دومًا إلى اقتناص أي لحظة فرح عابرة، لتكون لها ملجأ من قساوة واقعها وحِدّة تناقضاته، ولو لأيام قليلة.

وكأن لحظات الفرح والبهجة الخاطفة تلك تجعلها تستعيد عافيتها، وتغتسل من أحزانها، وتكون قادرة على مواصلة الرحلة الحياتية وتحمّل مشاقها. لكن من جهة أخرى، فإن تلك اللحظات المميزة بالفرح تفقد الإنسان الإحساس بمحيطه المجاور، وما يحدث فيه من أحداث محزنة. هروبه من قسوة الحياة بفرحة العيد، تنسيه حقيقة أن فرحة العيد قاصرة على الوصول إلى كل الناس والقلوب.