Atwasat

عجز.. تعود وتبلد!

صالح الحاراتي الأحد 26 نوفمبر 2023, 08:49 مساء
صالح الحاراتي

هذه مفردات وتوصيفات وردت إلى عقلي وهو يحاول الإجابة عن سؤال ما انفك يطرق بابه، والسؤال هو: لماذا نرى المظاهرات والاحتجاجات فى بلاد «الفرنجة» متواصلة ومستمرة، بينما فى منطقتنا تحدث كحدث عابر، ثم يسود المنطقة البلادة ويعمها صمت الأموات؟!.

لنرَ بداية جانبا من التعريف بهذه المفردات:
عَجَزَ: «فعل».. يقال عجِز عن العمل أي كبِر ولم يعد يستطيعه،
وعجِزَ عن الشَّيء أي ضعُف ولم يقدر عليه، ويقال عجَّزَ الشَّخصُ
بمعنى هَرِم وبلغ من العُمُر مداه.

والعجز الذى نحن بصدده فى هذه السطور لا نقصد به الإعاقة (Disability) كحالة جسدية، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 15% من سكان العالم هم بشكل أو بآخر يعانون الإعاقة، ولكن هنا نعني بالعجز تلك الحالة «العقلية أو المعرفية» التى تُضعف أو تتداخل مع أو تحد من قدرة الشخص على المشاركة والتفاعل مع الواقع من حوله.

أما «فعل» بَلِدَ فيقال بلِد الطِّفلُ أي ضَعُف ذكاؤُه، وثَقُل فَهْمُه. كما يقال بلِدَ الرَّجلُ أى استكان وقبل الضَّيْمَ. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن «تبلد المشاعر» يشير صراحة إلى عدم وجود عاطفة أصلا، وهي حالة وجدانية سلوكية، عندها يتصرف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو مع الأحداث العامة التى تحدث حوله، وإن كان هذا في غير مصلحته، مع عدم توافر الإرادة على الفعل، وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج.

والبلادة هي حالة تتسم بغياب الشعور والانفعال، حيث يبدأ الإنسان في التصرف بشيء من عدم الاكتراث، وعادة ما يكون هذا الإحساس نتيجة فشل الإنسان في حل المشاكل التي يتعثر بها، فيتجه إلى الاستسلام والرضوخ للواقع، ويرفض مواجهة مشاكل الحياة وصعوباتها، ويفقد الرغبة في بذل أي مجهود.

وهناك رأي آخر يقول إن الركود والتبلد يحدث عندما نتعود على رؤية الأشياء نفسها، أي عندما تتسم الحياة بالنمطية، وتتكرر الأحداث وﻻ يحدث شيء جديد، فيحدث ما يسمى «التعود» (Habituation)، وهو ظاهرة نفسية جسدية تحدث لأي كائن حي عندما يتعرض لمقدار الإثارة «Stimules» نفسه فترة زمنية طويلة، ومع الوقت رد فعل هذا الكائن على هذه الإثارة يُفقَد، وتتحول هذه الإثارة لتصبح عديمة الفائدة، ولا تعود تحرك لديه ساكنا.

أعود للسؤال، وواقع الحال، ولعل ما ذكرت من مفردات البلادة والتعود يكون سبب العجز الذى يعم المشهد، ولكني سأحاول الاستطراد، للبحث عن عوامل أخرى، فهناك من يقف موقف المتفرج على ما يجرى فى غزة، انطلاقا من كرهه الحركات الإسلامية، باعتبار حماس منهم. وحماس على الرغم من أنها مذهبيا محسوبة على أهل السنة، فإنها تتلقى دعما من إيران الشيعية. لذا، وحسب منطلقهم وكراهيتهم هذه الدولة ومذهبها، لا يجوز التفاعل مع ما يحدث فى غزة.

كما لاحظت أن البعض يأخذ موقف المتفرج، لأنه يعتبر القضية «عربية»، وهو عرقيا ينتمى إلى ملة أخرى غير عربية، وبالتالى فالقضية لا علاقة له بها!.
وهناك من يغلف عجزه بقول ظاهره صحيح، وهو أن الاهتمام بقضايا الشأن الداخلى المحلي أولى، ويتجاهل أن عالم اليوم يصعب فيه الفصل بين المحلي والإقليمي والدولي.

تلك رؤوس مواضيع، قد تنجح وقد تفشل، في الإجابة عن السؤال إذا لم نستحضر عاملا آخر، أراه على قدر كبير من الأهمية، متمثلا فى الصعوبة التي يواجهها الفرد في تنفيذ مهمة أو عمل ما يريد القيام به بسبب وجود عراقيل وتقييد من الأنظمة السياسية القائمة تمنعه من أن يكون مشاركا ومتفاعلا مع مواقف الحياة. لذا، يزداد شعور المواطن بالعجز والانفصال عن الواقع والوضع السياسي السائد، وهذا الانفصال عن الواقع والاغتراب مفروض عليه، ولم يجر باختياره، وكلما زادت حالات القهر وتعاظم الاستبداد وإقصاء المواطن عن المشاركة السياسية زادت حالات العزلة السياسية والاجتماعية.

وتقديرى أن السلبية التى عليها الناس ناتجة، بداية، من تلك القيود، بالإضافة إلى مسببات أخرى كثيرة، منها ما يخص الفرد نفسه، ومنها ما هو سائد فى مجتمعه، من قيم وأفكار وثقافة وسلطة قائمة تروج للاستكانة والاستسلام للواقع كما هو عليه، واعتباره قدرا مقدورا، وتتضافر العوامل الذاتية والموضوعية لتجعل الإنسان فى حالة عجز وانفصال تام عما يحدث حوله.

أخيرا، لا نغفل أو ننسى إكراهات المؤسسات الدولية ومصالح الدول الكبرى الفاعلة، ودورها فى عدم القدرة على الفعل السياسي، التي تتجلى، عمليا، فى ردود فعل الكثير من الدول العربية هذه الأيام تجاه ما يجرى من حرب إبادة فى فلسطين.