Atwasat

عالمٌ بلا حماس

جمعة بوكليب الأربعاء 08 نوفمبر 2023, 05:32 مساء
جمعة بوكليب

العالمُ غزّاوي، هذا ما قاله أحد المعلقين في قناة تلفزيونية على موقعها في الإنترنت وهو يُطلع المشاهدين على آخر ما قالته الجرائد والقنوات التلفزيونية الإسرائيلية من تعليقات جارحة وغاضبة حول الحرب الدائرة في غزّة.

شكراً لمواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت لحرصها على نقل الأحداث الدائرة في تلك البقعة الجغرافية البائسة من عالمنا الأرضي والتي كانت طوال 56 عاما من الاحتلال سجناً مفتوحاً يضم 2.3 مليون فلسطيني ووصمة عار على جبين عالم يدّعي التحضر والتمدن والديمقراطية.

ما يميز الحرب الدائرة في غزة أن مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تمكنت من تجاوز القنوات الإعلامية التقليدية ونقلت لنا أخبار ما يحدث في تلك البقعة أولاً بأول، وما يُرتكب ضد السكان المدنيين من مجازر أثارت قلق وغضب سكان العالم. هذا يذكرنا بالدور الذي لعبته قناة الجزيرة التلفزيونية في الحرب الأميركية ضد العراق وأفغانستان. كونها تفوقت على القنوات التلفزيونية الغربية بنقلها مباشرة أحداث الحرب من بغداد وكابل.

في الحروب السابقة لم تكن شبكة الإنترنت بهذا المستوى من الانتشار، لذلك تولت وسائل الإعلام الغربية التقليدية السيطرة على نقل المعلومات بما يتفق والسياسات الرسمية الغربية في الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي. وفي الحرب الدائرة في غزة تغيّر الوضع الإعلامي وبدأت وسائل الإعلام التقليدية تخسر مواقعها لصالح الإنترنت، بل وتستقي منها الأخبار والصور، وبدأت الحقائق تصل إلى الناس في مختلف دول العالم أولاً بأول، ومن دون تدخل أو تزويق. كشف الحقائق وتقديمها إلى الناس جعل الكثيرين يتفهمون حقيقة ما يجرى في قطاع غزة والدوافع الكامنة وراءه. ولعل هذا يفسر المظاهرات الضخمة في كثير من عواصم العالم الغربي، على وجه الخصوص في واشنطن ولندن.

الحرب تسير في خطين متوازيين. يقود جيش الاحتلال خط المواجهة العسكرية مع مقاتلي حركة حماس في قطاع غزة، وفعلياً يستهدف في عملياته كل سكان القطاع من المقاتلين والمدنيين على السواء. فكلهم فلسطينيون، وكلهم أعداء يجب التخلص منهم. وعلى المستوى الثاني يقود المستوطنون الإسرائيليون المتطرفون المسلحون في الضفة الغربية حرباً استفزازية ضد سكان المدن الفلسطينية تحت حراسة الجيش والشرطة. تؤكد التقارير أن أكثر من 800 فلسطيني من شبه البدو أُجبروا على النزوح وترك بيوتهم وأراضيهم والفرار بحيواتهم. أخبار الاعتقالات والقتل ليست خافية على أحد. يقابل ذلك عجز فاضح من جانب السلطة الفلسطينية.

وعلى خلاف ما حدث في حروب سابقة، فإن ما يحدث في غزة، فيما يتعلق بقصف وقتل السكان المدنيين وتدمير بيوتهم، استناداً إلى معلقين عسكريين غربيين، لا سوابق له في التاريخ. فالقطاع يسكنه 2.3 مليون نسمة وصغير المساحة أي مكتظ سكانياً (10 آلاف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد) مما يعني أن الخسائر في الأرواح بينهم متوقعة بنسبة كبيرة خلال المواجهات بين قوات العدو الإسرائيلي ومقاتلي حركة حماس. كونهم لن يجدوا مفراً. بوابات السجن مغلقة منذ سنين طويلة. والملاجيء والمستشفيات والمدارس تقصف بلا هوادة عمداً. ولا ملجأ لهم سوى البقاء ومواجهة الموت.

مقارنة بمدن أخرى عديدة، في حروب سابقة، على سبيل المثال حرب الأميركيين ضد حركة داعش في مدينة الموصل أو الفالوجا في العراق، أو في حربهم ضد الفيتناميين أو ثوار الفيتكونغ في كمبوديا، أو حرب الروس ضد الأوكرانيين، كان بوسع السكان الهرب إلى مدن أخرى، أو حتى إلى دول أخرى طلباً للحماية.

لعل التميز الأكثر لفتاً للاهتمام هو الانقسام الذي بدأ يطفو على السطح داخل إسرائيل. في الحروب السابقة كان الإسرائيليون يلتحمون صفاً واحداً في بنيان مرصوص. الآن، بدأنا نشاهد تصدعاً لا يخفى، تمثل في مظاهرات احتجاج من فئات شعبية وسياسية عديدة تطالب رئيس الحكومة بالاعتذار وتحمل مسؤولية الإخلال الأمني الذي تسبب في الكارثة وتطالب بمحاسبته. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يتجاهل تلك المطالب بحجة أن الوقت غير مناسب والأولى التركيز على الحرب والقضاء على حركة حماس. اللافت، أن حركة حماس ما كانت لتكبر وتصير على ما هي عليه لولا الدعم الذي قدمه لها نتنياهو بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية.

لا أحد بمقدوره التكهن بنهاية الحرب، أو هل ستنتهي الحرب؟ لكنها متى انتهت فإن العالم في مرحلة ما بعد الحرب سيختلف عن مرحلة ما قبلها. الاتجاه الذي ستسير فيه الأمور غير معروف. لكن من الممكن التكهن بأن حماس لن يكون لها وجود فيه، أو على الأقل وجود عسكري. وفي إسرائيل هناك احتمال أن تؤدي الأمور إلى تقليص سطوة اليمين المتطرف وخروجه من المسرح كونه المسؤول عما حدث. وفي حالة حدوث ذلك، من المحتمل جداً أن تزداد فرص السلام.