Atwasat

الوهم الكارثي

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 22 أكتوبر 2023, 04:05 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

تناولت في أكثر من مقال موضوعة الصراع الوجودي (نعم: الوجودي) بين الكيان الاستعماري الصهيوني العنصري الديني المسمى «إسرائيل» القائم على الأرض الفلسطينية والفلسطينيين (وأقول الفلسطينيين وليس العرب، لأن العرب خرجوا من هذا الصراع منذ ما بعد سنة 1973).
ولعل النقطة الجوهرية التي ركزت عليها في هذه المقالات هي الوضع المتفرد لطبيعة «تنصيب» هذا الكيان على أرض فلسطين. فهذا الكيان «اصطنع» بعكس المسار التاريخي المعتاد لنشوء الكيانات والدول. إذ الطبيعي في هذا المسار التاريخي هو أن ينشأ شعب على أرض ما، ومن ثم يقوم هذا الشعب، في ظروف تاريخية مواتية، ببناء سلطته ودولته. لا يستثنى من ذلك قيام الدول الاستيطانية على أراضي أميركا الشمالية (ما يُعرف الآن بالولايات المتحدة الأميركية وكندا، ففي البداية، قبل الاتحاد، كانت هذه الكيانات دولاً مستقلة).

ففي أميركا الشمالية هذه تدفقت قطعان المهاجرين الأروربيين ونجحت، بعد عمليات الإبادة الواسعة ضد السكان الأصليين من قبائل الهنود الحمر، في تكوين مجتمعات متلاحمة على هذه المستوطنات وأقامت تنظيمات ومؤسسات مدنية أفضت إلى إقامة دول (وليس ولايات مثلما نعبر الآن) تبسط سلطتها على المستوطنة. ففي هذا الجانب تحديداً أخذ المجرى التاريخي مساره المعتاد.

في حالة اصطناع الكيان الصهيوني انعكس هذا المسار، إذ أنشئت «الدولة» على عدد قليل من المهاجرين اليهود لا يكفي لإنشاء دولة وأخذت تبحث لها عن «شعب»* يفي بمتطلبات الدولة من خلال التشجيع على هجرة اليهود من شتى أصقاع الأرض إلى «أرض الميعاد» الأسطورية.

لكنني أريد أن أركز في هذا المقال على نقطة أخرى لعبت دوراً سلبياً ضد الفلسطينيين في حدوث الهجرة الفلسطينية الجماعية خلال أحداث ما عرف بالنكبة بعد إعلان تنصيب «دولة إسرائيل» سنة 1948.

تقع أرض فلسطين، كما هو معروف، داخل جغرافيا عربية ومحاطة بمجتمعات (ولا أقول شعوب) عربية ذات أغلبية مسلمة. أي أن المجتمع الفلسطيني جزء من الشعب العربي ويقع داخل محيط متجانس.

هذا الوضع، الذي يبدو بالغ الإيجابية عموماً، لعب، في هذه الحالة الخاصة وفي ظروف الضعف العربي الشديد دوراً بالغ السلبية وفاقم من وضع هذه النكبة. ذلك أن اطمئنان الفلسطينيين إلى تلاحمهم مع محيطهم وتلاحم محيطهم معهم جعل الكثيرين منهم يستسهلون الخروج من أرضهم اعتقاداً منهم أنه خروج مؤقت وأنه سرعان ما ستهب جيوش الدول العربية المحيطة لتقضي على هذا الكيان المصطنع وتعيدهم إلى بيوتهم ومزارعهم وحياتهم المعتادة.
واتضح أن هذا وهم كارثي.

فلو تصورنا أن فلسطين تقع داخل محيط مختلف عنها من الناحية القومية والثقافية ولا يتسم بالأخوية لم يكونوا ليجدوا مناصاً من التشبث بأرضهم ومواطئ أقدامهم والنضال بالأظافر والأسنان لإخرج المحتل من أرضهم.

* لا يجوز علمياً إدخال اليهود في الكيان الصهيوني تحت طائفة الشعوب أو المجموعات الإثنية، لأنهم ينتمون إلى شعوب وبلدان أخرى والرابط بينهم، إضافة إلى المشروع الصهيوني، ديني.