Atwasat

رعب النفط!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 29 أغسطس 2023, 02:39 مساء
أحمد الفيتوري

إن أوروبا تتنفس النفط وأكسجينها الغاز منذ أول القرن العشرين، ومنذ ذاك ومسألة الوقود الأحفوري المسألة الرئيسة، ما تحولت إلى لعبة الحرب والسلام. وقد كان وقود الغرب هذا مسألة خارجية داخلية في كل دول الغرب، ومن هذا فهو مسألة متعلقة بالديمقراطية، خاصة الانتخابات التي جعلت النفط والغاز على رأس قائمة الأحزاب والمرشحين من جهة، ومن أخرى تحويل الأزمات الداخلية إلى مسألة خارجية أيقونتها النفط ثم الغاز.

الشيء بالشيء يذكر، فإن أشهرها أزمة النفط عام 1973م، التي بدأت في 15 أكتوبر 1973، عندما قام أعضاء منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك»، بإعلان حظر نفطي لدفع الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب 1967م. «أوابك» أعلنت أنها ستوقف إمدادات النفط إلى الولايات المتحدة والبلدان الأخرى التي تؤيد إسرائيل. وفي 26 نوفمبر 1973 عُقِدت قمة عربية في الجزائر، وقررت القمة أن تترك المجال لكل دولة لتخفض من إنتاجها النفطي كما شاءت. وفي 27 نوفمبر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أعلن قانون توزيع النفط في حالات الطوارئ، ثم في 17 مارس وزراء نفط الدول العربية، باستثناء ليبيا، أعلنوا نهاية الحظر المفروض على الولايات المتحدة.

عندئذ، غدا الشرق الأوسط، خاصة دوله النفطية العربية، حائط مبكى لزعماء الغرب. فأظهر العرب كما مصاصو دماء، ومسببو دمار الحضارة البشرية، وأن قطع النفط المحدود، مشروع للانهيار العالمي بعد سقوط حضارة الغرب. لقد اتخذت الميديا الغربية من تلك المسألة، ذريعة لنشر الخوف، فيما انبرى الزعماء لبث القلق على مستقبل الوجود البشري، ما يهدده عرب البترودولار. وأطلقت على العرب جملة مسميات شنيعة، فقام مفكرون وكتاب بتأليف كتب تحرض ضدهم، وأنتجت السينما الأمريكية ما أنتجت بالخصوص. باختصار حالة التباكي، تحولت بقدرة قادر إلى حرب عنصرية شعواء. ولعلها كانت من الزيت ما ساهم في خلق قاعدة التطرف الديني في المنطقة، فيما بعد.

هكذا «سلوك سياسي وثقافي، يمنع النقاشات السياسية الجادة، فالجمهور الذي يحس أنه تحت طائلة هجوم شرير، يدعم كل سياسة تُبنى على عدم التفاهم، أو التفاوض مع مصدر الشر. الشرّ يجب أنْ يُقاتل حتّى النهاية، كما يشير إلى ذلك الشعار الشهير (إمّا نحن أَو هم)، وهكذا يستعمل الخوف كأداة سياسية، لتجَنب النقاش السياسي ولتفادي الخيارات السياسية الصعبة».

مما يكشف أن العقلانية الأوروبية قشرة تسلخها أية أزمة مهما صغرت، وأن اللاعقلانية لبّ قارة الحرب/ أوروبا. فاللاعقلانية تتمثل في نشر القلق، وتشويه الواقع، والترويج للخوف من المستقبل. هذه المقاربة تشوب أوروبا عند كل أزمة، فتكون السماد المقوي لليمين، ولمتطرفيه على الخصوص، فالحرب الأوروبية الكبرى الأولى كانت الأرض الخصبة للفاشية والنازية، فالحرب الكبرى الثانية. وكأن الوضع المميز للرخاء في القارة، الأرض الرخوة التي تنبت الخوف وتعمم القلق، خاصة أن القادة السياسيين يحرزون دورهم كقادة، من القاعدة الشعبية التي يتملقونها ويتزلفون إليها، وعادة ما يكون التزلف بالوعود بالمزيد من الرخاء، أما من أين وكيف يأتي ذا الرخاء؟ فالمسألة لا تخص تلك القاعدة؛ بل كثيرًا ما تقوم الميديا؛ بل وحتى مفكرون، بتمويه تلك المسألة.

ومع هكذا تباكٍ بات من لزوم ما يلزم تناسي ثقب الأوزون، فارتفاع درجات الحرارة التي سادت العالم، وجعلت من صيف أوروبا جحيمًا، وعليه الألزم إعادة استخدام الفحم الحجري، فتشغيل المحطات النووية، كما في ألمانيا، التي لديها احتياط من الوقود تجاوز احتياط الأعوام الماضية. إن التباكي الغربي يطوح بعيدًا بما تعانيه الكرة الأرضية من الاستخدام المفرط للوقود الأحفوري، وما تواجهه من خطر الجوع، وقد عمّ الجفاف أوروبا، فما بالك بالقارة المعوزة أفريقيا، التي حولت إلى قارة، يتعارك الأقوياء على إعادة استعبادها؟ فيغطي التباكي الغربي اللاعقلاني الشمس بالغربال ليس إلا.