Atwasat

ليبيا كلمات مبعثرة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 21 مارس 2023, 01:42 مساء
أحمد الفيتوري

ليبيا اليوم تَستهلكُ الوقت كما يستهلكُها، عاجزة عن الحياة حيث الحياة صناعة، وليس لها في الصناعة التي تعني العمل واستثمار الزمن، الليبيون لا يجيدون العمل، منذ عقود يبددون الوقت، فمنذها كتب (الصادق النيهوم) مقالةً يهنيء فيها الليبيين بعيد الاستقلال، ناقلاً إليهم التهاني من العالم الذي تكدّ شعوبه ليستمتع الليبيون بتضييع الوقت بالعويل على حالهم واستمراء عويلهم، وقد ذكر في مقالِه: كدّ الألمان ليحصل الليبي على سيارته الفارهة، والإيطاليون ليحصل على الرز الفاخر، وأن الكثير من هذه الشعوب تعمل ليل نهار كي يحصل الليبي على الكثير من حاجاته في وقتها، خاصةً في المناسبات مثل «شهر رمضان».

صديقي الطبيب الأوكراني، الذي عاش في ليبيا منذ العهد السوفييتي حتى عهد قريب، كان يمدح إقامته في ليبيا، بأنه عاش لعقود لم يشاهد خلالها في المدن بغلاً أو حماراً ولا حصانًا ولا حتى مواصلةً عامة، التي تعجّ بها مدن بلاده سلة قمح وزيت طعام العالم، ثم وكّد لي أنه عاش عقود عمره، مستمتعاً بالبحر المتوسط الليبي وبسمكه.

السوداني من دارفور الذي كان يغسل سيارتي، ضحك كثيراً حين سألته: لماذا يُدعى الشعب الليبي عندكم شعب الله المستعجل؟ لم يجب. بل ذهب عني واشتبك مع شاب اتّهمه بالتكاسل في غسل السيارات، وأنه ينتظر منذ وقتٍ دوره لغسل سيارته.

البنغلاديشي اندهش من ملاحظتي أن محلات الخياطة المتراصّة، كلُ العاملين فيها من البنغلاديش، وأن أغلبها بمثابة محلٍ واحدٍ، مهمته إنقاص طول السراويل التي تعجّ بها الأسواق الليبية وكأنها على مقاس واحدٍ، حيث أرجلها طويلة، قلت ساخراً: هل اتفقتم أنتم البنغلاديش مع المصانع في العالم كي تصدّر لليبيا مثل هذه السراويل؟!.

حين خرجت إلى الشارع، تنبهتُ إلى أن ليبيا المقر الواقعي لمنظمة الوحدة الأفريقية، فحيث ولّيت وجهَك ثمة أفريقي من بلد مختلف، مهمتهم جميعاً تنظيف الشوارع الليبية التي يحرص الليبيون على هويتها كمُجمّع للقمامة.

جامعة الدول العربية في سوق الليبي، توزّع المهام بالقسطاس: الشامي للحلويات والارتزاق، البغدادي في الجامعات، المصري خضّار أو جزّار، التونسي للفطائر «السفنز»، المغربي فندقي... وهلمّ جرًّا.

وفي أروقة الفنادق الكبرى: المالطي يعقد صفقات حلب البنزين التي يقوم الإيطالي بتسويقها وتهريب الدولار، أما البريطاني فشؤونه اقتصادية، فيما الأمريكي يختصّ بالانتخابات ولعبة الرولييت الروسي، ما يُدعى في ليبيا بالفاغنر، فيما الصيني يلعب الاستغماية.

وهكذا ليبيا ساحة الأمم المتحدة، أو بمثابة أروقة هذه المنظمة، فيها تلتقي كل الأمم لخدمة الليبيين، الذين منذ عقود منحوا مهمة العمل في بلادهم لكل من لا عمل ولا مهنة له ومن أي بلاد، ولأجل هذا تمّ اختراع لغة موحدة تكفل التعامل مع الليبيين بسهولة، لكنها لغة لا يعرفها أحد، ولا يتقنها غير لحظة الحاجة إليها، حيث «في الحاجة تكمن اللغة»!.

ليبيا الساعة عاجزة على أن يكون لساعتها عقارب، ولهذا تستهلك كل طاقاتها، لأجل اليوم والتفاصيل حيث يكمن الشيطان. ويتبعثر جهد الليبيين، في هذه التفاصيل التي تساهِم في حياكتها الأمم المتحدة عبر بعثتها في ليبيا. وبعد أن استنفدت المؤتمرات الدولية استثمارها في تضييع الوقت، تتمظهر لعبة الأمم، كما المسألة البيزنطية: الدستور أولاً أم الانتخابات؟..... فعودة مأمونة، إلى قول أمين معلوف: «اختفاء الماضي نعالجه بسهولة، إنما اختفاء المستقبل، لا يمكن إصلاحه».

• للتذكير

فمِمّا جاء في مقال الصادق النيهوم (كل عام وأنتم طيبون) الذي نُشر بجريدة الحقيقة بمناسبة عيد الاستقلال - 24 ديسمبر 1968م: «نحن بوسعنا أن نفعل أى شيء، ما دمنا لا نفعله حقاً.. أعني ما دمنا لا نحتاج إلى شيء آخر، سوى أن نحكّ المصباح السحري، ونترك عبدنا الجني يحقق مطالبنا.

نتركه ينحني بين أيدينا، ويقول لنا شبيك لبيك وكل عام وأنتم طيبون، ثم يوقع معنا عقداً لشراء الأحجار والبصل واللبن المحفوظ وصناديق البرتقال.
فكل عام وأنتم بخير.

وليبيا تسود العالم وتتركه يعمل فى مزرعتها، والليبيون يقودون حميرهم الحديدية ويستمتعون بالمضغة والحديث عن إسرائيل».