Atwasat

التجربة البرلمانية في ليبيا (1908-1969) (8)

سالم الكبتي الأربعاء 03 نوفمبر 2021, 10:12 صباحا
سالم الكبتي

.. وظلت الجمعية الوطنية في مفتتح كل جلساتها تستلم العديد من الرسائل والبرقيات من جميع المواطنين في ليبيا وكذا أبناء الجاليات الليبية في المهاجر البعيدة والقريبة التي تتضمن التأييد والمباركة لجهود الجمعية ومتمنية لها كل التوفيق والسداد في أعمالها من أجل ليبيا .

ثم انتقلت الجمعية بكامل أعضائها إلى بنغازي في اليوم الخامس عشر من ديسمبر 1950 حاملين وثيقة البيعة للملك وفقا لقرارها وفي السابع عشر من الشهر المذكور التقت الأمير إدريس في قصر المنار وقدم رئيس الجمعية الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم بيعة (الشعب الليبي) له لتبوء العرش في البلاد. وكانت تحمل توقيعات وأسماء كل الأعضاء . قبل الأمير البيعة من الجمعية وشملته صورة مشهورة في حديقة القصر مع كل الأعضاء ووعد بأن يكون دائما (خادما مخلصا لبلاده ليبيا عاملا على إسعاد ورفاهية أبناء أمته الأعزاء).

لكن الأمير في هذا الموقف وبكل دبلوماسية وحنكة معروفة عنه تلك الأيام أبلغ الجمعية بإرجائه الأعلان من طرفه عن اعتلائه (عرش المملكة المنتظرة) ريثما تتكامل الخطوات السياسية والإدارية ويعلن عن الدستور وهي المرحلة التي يمكنه معها أن يصبح (ملكا دستوريا) ويستطيع ممارسة سلطاته الملكية طبقا لنص الدستور .

خلال هذه الفترة ظل الأمير يعرف بـ (الملك العتيد) أي المعد أو المهيأ وأصبح ينادى ويخاطب به رسميا.

كانت الجمعية قد شكلت لجنة الدستور في الرابع من ديسمبر 1950 من سبعة عشر عضوا يمثلون الأقاليم الثلاثة . وهم: عمر فائق شنيب رئيسا للجنة. وعضوية محمود المنتصر. محمد الهنقاري. محمد كامل الهمالي. منير برشان (مقررا للجنة). أحمد عون سوف. إبراهيم بن شعبان. خليل القلال. سليمان الجربي. محمد ارحيم بوجازية. عبدالجواد الفريطيس. إحميده المحجوب. أبوبكر بن حمد. محمد عثمان الصيد. أحمد الطبولي. علي المقطوف. السنوسي حمادي. منصور بن محمد. وبدورها اختارت اللجنة الدستورية مجموعة منها لدراسة النظم الفيدرالية وتشكلت برئاسة محمود المنتصر وعضوية: خليل القلال ومحمد عثمان الصيد ومنير برشان وعبدالجواد الفريطيس وأبوبكر بن حمد. وعرفت أيضا بلجنة العمل.

وقد تمكنت طوال ستة وتسعين جلسة من إنجاز الدستور ونصوصه بمواده وفصوله وإحالتها إلى لجنة الدستور للعرض على الجمعية الوطنية.

وقد سجلت اللجنة ووثقت أعمالها في محاضر مهمة للغاية والباحث أو المتابع لهذه المحاضر مع محاضر جلسات الجمعية الوطنية يقف على أجواء وآفاق هذا العمل الوطني الذي غمره الحماس وساده النقاش والحوار الواعي واختلاف وجهات النظر المبنية على الاحترام والمصداقية ومراعاة المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الذاتية والجهوية والقبلية والتكتلات. كان الحرص على مستقبل ليبيا هو الأساس في الإنجاز الدستوري المرتقب.

وفي كتابي (الدستور في ليبيا .. تاريخ وتطورات) الصادر في بيروت وبنغازي خلال 2013.2012. العديد من التفاصيل الموضحة لهذه الجهود الوطنية التي بذلها الجيل الأب والمؤسس بكل تضحية ونكران الذات.

صحيح أن اللجنة والجمعية توسعت مداركهما وخبرتهما بالاستنارة والاستفادة من استشارات المستر إدريان بلت ومجلسه الاستشاري. إضافة إلى الخبرات القانونية العربية والدولية السيدين عوني الدجاني وعمر لطفي .. لكن مع تواجد هذه الاستشارات والإفادة منها ولد الدستور الليبي واقعا حيا ذلك العام ولم يكن مجرد قفزة في المجهول.

كان (نصرا) بمقاييس تلك الظروف واللحظات واستجابة للواقع والمعلوم.. فقط لاغير!!