Atwasat

تقارب الحالين اليمني والليبي

الهادي بوحمرة الأحد 31 أكتوبر 2021, 10:23 صباحا
الهادي بوحمرة

عند تتبع توالي الأحداث، والنظر في معوقات البناء ومعاول الهدم، وتعقب خطوات سقوط اليمن في الهاوية، نعتقد أننا في مواجهة تواتر مراحله في ليبيا، فقد بدأ اليمن في شق طريقه نحو البناء، وتأسس حوا ر يمني ضم مختلف مكونات المجتمع، وظُن أن اليمن سوف يفاجيء العالم بخطة سيره نحو البناء، لما قام عليه الحوار من شمولية في التمثيل، ولما حُدد له من أهداف.

انتهى الحوار بوثيقة شاملة نصت على عدة بنود، منها إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وحظر وجود المليشيات، والتوازن في التمثيل السياسي. وما إن ظهرت الوثيقة، حتى تصدى لها المتربصون من عدة مكونات سياسية وقبلية وجهوية وطائفية، والذين لا يسمحون ببناء على غير ما يريدون، ووصفوا الوثيقة بأقبح الأوصاف، وشرعوا في طرح أسوأ التوقعات، وأخطر الاحتمالات على العامة.

وهو ما حدث عقب الحوارات السياسية والاجتماعية المتعاقبة في ليبيا، وما تم عقب محاولات إرساء مسارات للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، فهناك- دائما- من يضع العصا في الدولاب، بحجة البحث عما هو أفضل، وأن الأمر لن يستقيم؛ لأن هناك من يعارض.

تألفت- بعد ذلك، لجنة وضع مشروع دستور لليمن من مؤتمر الحوار. وبعد طول نظر وفحص وجدل، وبالتأسيس على نتائج الحوار الشامل، قدمت مشروعها بموافقة جميع الحاضرين؛ باستثناء ممثل الحوثيين، وبدأ البحث في كيفية التمهيد للاستفتاء عليه. اتحد الفريق الذي يرى نفسه أجدر من غيره في تقدم الصفوف مع الفرق المتباينة، التي لم تجد رؤيتها بين سطور المشروع، وبدأوا في توجيه السهام لإسقاطه، رغم أنهم يعرفون عجزهم على التوافق على بديل، فهم من مشارب شتى، وبينهم من الاختلاف والخلاف ما بين المشرق والمغرب، واجتهدوا في زرع بذور الشك في أحكام المشروع، وفي سد الطرقات أمامه.

وصفوه بدستور أبوظبي؛ لأن اللجنة اجتمعت هناك، وقالوا أنه دستور يفكك اليمن؛ لأنه يقسم اليمن إلى ستة أقاليم، وخرج من خبراء اليمن من يقول إنه دستور غريب؛ لأنه لا يحدد علم الدولة، وأن هذه بدعة، وهي الضلال بعينه، وأنه غامض بشأن اسم الدولة، وهذه خدعة؛ لتغيير الاسم من الجمهورية اليمنية إلى الجمهورية اليمنية المتحدة، وأنه إسلامي ثيوقراطي؛ لأنه ينص على أن الشريعة مصدر التشريعات، وأنه لم يكن صريحًا بشأن اليوم الوطني، وما هذا إلا لغاية في نفس واضعيه، وتلاعب بالتاريخ، ولم يتوقفوا عن ترديد أن الشعب اليمني لا يرضى بذلك، رغم أن الشعب لم يقل كلمته بعد في صندوق الاستفتاء.

طور المنتقدون من النخب خطابهم؛ لتهييج الرأي العام، ووصفوه بالمعيب وبالكارثي، وبأن طريقه هو طريق الهلاك، وقالوا أنه دستور فرضته دولة الإمارات التي جمعت اللجنة في أراضيها، وبأنه دستور السعودية، التي تريد أقلمة اليمن، وتشعبوا في كيل التهم، وتفحصوا ما يعتقدون انه خلف السطور، وقطعوا بسوء النيات.

ومنهم من يدفع بالشرعة الدولية، ومنهم من يدفع بالعادات والتقاليد، ومنهم من يقول أنه لا دستور إلا القرآن والسنة.

وانتهوا بعد طول عناد إلى أن الوقت ليس وقت دستور، وأن الامور لم تنضج بعد، وأن الأولوية لمكافحة الفقر والبطالة، وللنظر في التوزيع العادل للثروات.

وبدأت التصورات تتعدد، والنخب والسياسيون والزعماء القبليون والجهويون يتناوبون رفضها وقبولها، فما يقبله البعض، يرفضه آخرون، وما يراه البعض عدالة، يراه آخرون مغالبة، وما يراه البعض توازنا، يراه آخرون تقسيما. وكل هذه الآليات تمت مواجهة مشروع الدستور الليبي بها، فحجج ومبررات رفض الاستفتاء في البلدين تكاد تكون واحدة، ودوافعها بالتأكيد متقاربة.

فأغلب ما قيل في اليمن قيل في ليبيا، وكأن المتحدثين ينهلون من معين واحد . لقد دخل هؤلاء الذين يصرون على أن لا مفر من التوافق، الذي هو بالنسبة لهم إجماع، بالبلدين في سراديب المحاصصة تحت مسمى الشراكة، وتعالت مطالب بعضهم بالرجوع إلى الوراء بدعوى الخصوصية، وتقدم القائلون بها الصفوف، وأصبح القول بأن اليمن؛ كما هي الحال في ليبيا؛ مجتمع قبلي جهوي مقدمة لا مفر من البناء عليها، وأنه لا مناص من السعي إلى مزيد من التوافق والشراكة بين مكوناته قبل أي وثيقة عقد اجتماعي، وقبل أي دستور.

وتعاقبت زعامات ونخب البلدين في الانتقال من متاهة إلى أخرى، وتراجعوا إلى نقطة الصفر، وعادوا من جديد يجترون ما سبق لملتقيات الحوار ولجنة مشروع الدستور نقاشه والتوافق عليه بصعوبة بالغة. فمن متاهة هيكلة الجيش والامن إلى متاهة أولوية توحيد المؤسسات، ومن متاهة توزيع الثروات إلى متاهة عدن ام صنعاء، أو طرابلس أو بنغازي أو سرت، ومن متاهة الأقاليم إلى متاهة حدودها وعواصمها.

وقطعه ولاء الذين يحسبهم المواطنون صفوة باأن لا بداية للبناء الدائم قبل الخروج من كل هذه المتاهات. لكن الخرق زاد، واتسع على الراقع، ولم يمض الكثير من الوقت حتى تحولت الاختلافات إلى شقاق، وتعمقت الصراعات، وتعثرت الوساطات، وزاد تداخل القبلي والعسكري، وتشعبت التحالفات، وفعل العداء التاريخي بين القبائل والجهات فعلته، وتعددت الحروب، وأصبحت مزيجًا بين صراع الداخل وصراع الخارج، وأصبح الحسم العسكري بعيد الاحتمال.

وانتقل تحليل النخبة ونقاشها من وثيقة الحوار ومشروع الدستور إلى نقاش وتحليل مدونات السلوك القبلي والاجتماعي، ودوره في إدارة الصراع، وفي الحد من الحروب، وفي دعم التضامن بين أفراد القبيلة وعودة أحلاف القبائل، وتحول الحديث من حقوق المواطنة إلى حقوق القبائل والجهات والطوائف، واتسعت رقعة التصنيفات الجهوية والقبلية والعنصرية.

ولعل أشدها حدة وانتشارا تصنيف المهزوم والمنتصر والبدو والحضر في ليبيا، والزنابيل والقناديل في اليمن، فبعد أن كانت قبائل بكاملها تسمى “قناديل”، ومن ثم هم مواطنو الدرجة الأولى، وأخرى “زنابيل” من مواطني الدرجة الثانية، أصبح لكل قبيلة ومدينة وحزب ومليشية قناديل أحق بالزعامة، وزنابيل يضحون لأجل قناديل يحكمون.

وبعد النظر في ما آلت إليه الأمور في اليمن ، على من أسقط وثيقة الحوار ومنع الاستفتاء على مشروع الدستور أن يحل قضايا تشعبت وتراكمت وزادت حدة ؛ كي يستطيع العودة إلى المربع الأول الذي سبق وأن قام بإحراق محاولات الخروج منه، ومن ذلك الخروج من قضية القناديل والزنابيل، أو على الأقل إرجاعها إلى الحال التي كانت عليه قبل السقوط في الهاوية.