Atwasat

ليبيا 1970 (3_5)

سالم الكبتي الأربعاء 26 أغسطس 2020, 06:24 مساء
سالم الكبتي

.. وقبل ذلك أيضا بدأت في الأفق مشاعر الاتجاه نحو التغيير العسكري للأمور. الجيش أسس ليكون مدرسة وطنية تجمع كل الليبيين. يحمي وطنهم ويرعى حريتهم ويصون دستورهم ويبتعد عن السياسة وكان الحال هو كذلك. وحرصت قيادة الجيش على أن يظل هناك تنسيق على الدوام بينها وبين القصر الملكي واختير ضابط يعمل مديرا لرئيس الأركان لهذه المهمة. خيوط متوازنة ومتوازية في أغلب الأوقات. لم يكن هناك هواجس أو عدم ثقة. لقد توفرت النوايا الحسنة وتواصلت بين الطرفين وظل الجيش في صورته العامة عنوانا للتماسك والوحدة بعيدا عن كل التأثيرات الجهوية والعائلية والقبلية.

ثم انتابت الأحاسيس القومية والمؤثرات المجاورة بعض صفوف ضباطه. وكان أول التنظيمات داخله قد نشأ أواخر عام 1956 في بغداد عند مجموعة من الطلبة العسكريين الليبيين ذلك العام الذين تأثروا بتداعيات قضية فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر. ظل التنظيم يكبر بعد تخرج هؤلاء الطلبة الذين صاروا ضباطا في مختلف المواقع. ثم انفصلت عنه مجموعة أخرى كونت تنظيم الرواد. إضافة إلى هذا ثمة محاولتان شهدهما الجيش للتمرد. الأولى في المرج عام 1960. أعدت أثناء حضور الملك حفل تسليم الرايات لبعض الوحدات. وكان من المقرر أن يعتقل وينقل إلى الجغبوب. ويتم الاستيلاء على الأوضاع. في اللحظات الأخيرة أبلغ الملك ولم يحضر. والمحاولة الثانية كانت استمرارا للأولى في الغالب. عام 1961. لكنها فشلت أيضا وألقي القبض على نفر من الضباط وتمت محاكمتهم وأخرج الآخر من الخدمة. وبعد الإفراج عنهم عادوا إلى حياتهم المدنية.

وتواصل تسلل التنظيمات العسكرية السرية. تنظيمان آخران من ضباط خريجي مدرسة الزاوية العسكرية.. الأول احتوى ضباطا من دفعات لاحقة من غير خريجي تلك المدرسة. وكان يسعى للتغيير باتجاه عدم المساس بالملك أو شخصه. إبعاده سلميا وتسليم السلطة لمدنيين. هنا دخلت على الخط البعثة العسكرية الأمريكية فتوقف التنظيم وابتعد عن التفكير فيما يسعى إليه. والتنظيم الثاني ضم مجموعة من خريجي الدفعة الثانية من المدرسة المذكورة.

ابل رئيس التنظيم ولي العهد وتحدث معه في أمور البلاد وتنفذ بعض الأطراف في سياستها وإدارتها إضافة إلى أن الملك طعن في السن ولابد من أن يتم التغيير باتجاه الأفضل قبل أن تنتهز تلك الأطراف الفرصة وتقطع الطريق على أية محاولة من شأنها إنقاذ الأوضاع. ولعل في هذا كله أخطأ الكثيرون أو اعتراهم التشويش والظنون من أن هناك تنظيما آخر كان يديره من بعيد العقيد عبدالعزيز الشلحي. وأنا أزعم هنا أن ذلك لم يكن صوابا فقد تهيأ هذا للبعض وتصوروه في مخيالهم بالنظر لموقع العقيد الشلحي في الجيش ورفاقه من الضباط الكبار من خريجي الكلية الحربية في مصر. إن العقيد الشلحي مادام الأمر كذلك ليس في حاجة إلى تنظيم وربما يكون بطريقة بعيدة عن الانقلاب أو خيانة الملك قد يبادر إلى قطع الطريق أيضا أمام آخرين ولو على مستوى عال في الدولة بعد وفاة الملك.

والواقع أن الجيش شهد في منطقة الظل صراعات وحساسيات خفية بين خريجي مدرسة الزاوية وخريجي الكليات العسكرية في العراق ومصر وتركيا. وترك آثارا على الكثير من العلاقات بينهم. وأدى إلى بعض التنافر ونشوء هذه التنظيمات بطريقة أو بأخرى. إلى أن ظهر تنظيم صغار الضباط أو الملازمين الأحرار الذي ظفر بالغنيمة في النهاية!!

عام 1968 اقترح عبدالحميد البكوش أيام رئاسته للحكومة على الملك أن يلتقي بشعبه مباشرة في زيارات للمدن والمناطق. كان غرضه إزالة أية جفوة أو التباسات أو إحساس بأن أجيال البلاد تكره الملك خاصة بعد يونيو وبالفعل تمت تلك الزيارات والتقى الملك جموع الشعب في غريان وطرابلس والخمس وبنغازي والبيضاء ودرنة.

حشود ومهرجانات وأناشيد وعروض وقصائد من الشعر وفروسية وخيول. وحضر البكوش والوزراء والكثير من المسؤولين جانبا كبيرا من هذه الاحتفالات التي رصدتها وزارة الإعلام والثقافة وأخرجتها في أفلام ظلت تعرضها في دور السينما قبل العروض الرئيسية وكتب رشاد الهوني مقالته الشهيرة (توارى في بيته المتواضع) في إبريل 1968 عندما شاهد تلك المشاعر في لقاء البياضة بالجبل الأخضر بالملك. وظل هذا المقال دليلا ضده في محكمة الشعب أثناء النظر في قضية إفساد الرأي العام. وكان رشاد في مواجهة المحكمة رجلا في الدفاع عن مواقفه. إضافة إلى مقالاته عن الشخصية الليبية. ولم تشف هذه الزيارات بعض الغليل. شعر هنا الكثيرون بأن الملك ربما ما يزال يحمل التفكير القوي رغم تلك الزيارات في الرحيل والترك والانسحاب. ورآها البعض بأنها قد تكون مؤشرا منه لتوديعه لتلك الأجيال والبلاد التي تحتها رماد الجمر.

كان الملك فيما أعتقد يجهز نفسه للرحيل على مدى الفترة المقبلة. أدرك بحكمته الأمور. ولابد من أن يتخذ قراره الذي سيكون مفاجأة هذه المرة. ومع ذلك.. مع الزيارات ومحاولات الإصلاح والتجديد ظل الزمن المعاصر ليس بالزمن القديم. والمفاهيم والثقافات الجديدة تسري بقوة مع الريح مثل النار. والخريطة تتبدل في المنطقة والعالم. يونيو ستكون له آثاره. والمؤشرات لاحت قوية بلا نهاية. اقترب غروب شمس دولة الاستقلال. وأيام الملك. التسامح وعلامات البناء والنهوض والعلاقات الطيبة مع الجيران وتحمل الأذى والطعن والمعاكسات الداخلية والخارجية كلها في طريقها إلى التواري. سيأتي وقت آخر أيها التاريخ و.. 1969. اقترب الغروب.

كانت التحركات والخطوات نشطة وقوية دون خوف أو رقيب أو محاسبة. التقارير والمتابعات تعد وتمضي إلى الجهات المختلفة ولاأحد يتحرك. الملك يغادر في يونيو لآخر مرة. جعل وطنه وراءه خلف البحار. وغابت الباخرة في الأفق البعيد ذلك الضحى. وكان الوداع الأخير. الملامح والمشاعر وتوقع حدوث شيء يكتنف الجميع تلك اللحظات أو يكاد. الرجل مضى يشق البحر. وطالت غيبته ورحيله. وهناك فاجأ الجميع بالاستقالة النهائية في أغسطس.
ظلت ليبيا في فراغ موحش. لم ينتبه أحد إلى الدستور. كل المسؤولين في الغالب تخلوا عن الملك بطريقة أو بأخرى وغادروا أيضا وتركوا البلاد دون أن يدروا بما سيحصل. كلهم كانوا يتوقعون أن ثمة شيئا وراء الفراغ الرهيب. غروب الشمس بعده ليل طويل.

الشلماني أو محمد جمعة السليني الضابط الحريص والشجاع تلك اللحظات أبلغ بما يدور عدة مرات وعرف أن كارثة ستقع. ولم يكن يود في متابعته الإضرار بزملائه، ولكن كان يريد إنقاذ البلد مما ستقع فيه. ولم يلق استجابة. حسين نعامة وسالم بن طالب من قيادات الأمن في المحافظات الغربية قدما لمجلس الوزراء في أحد اجتماعاته ذلك الصيف تسجيلات صوتية لمكالمات مفتوحة دون تشفير بين معمر القذافي في معسكر قاريونس وعبدالسلام جلود في معسكر الفرناج. استمع المجلس إليها ولم يتخذ أي إجراء بشأنها يتطلبه الموقف. القذافي نفسه مع اثنين من زملائه أعضاء التنظيم يزوران رئيس الحكومة في شقته بشارع أدريان بلت في بنغازي. كان المتحدث معه هو القذافي مستغلا الاسم. مرة أشار بأنه يود أن يتقدم لخطبة إحدى كريماته. ومرة يشكو من الأوضاع في البلاد والجيش وأن الملك طالت غيبته. ومرة يصرح بأنه ظلم في تأخيره عن ترقيته بأسباب معروفة. كانت إشارات. فمن الذي أشار على القذافي بذلك. من قال له تقدم في اختبار بالون وجس النبض؟ مفاتحة لكبار الضباط في الجيش والأمن يعلونه رتبة ويدعوهم للمشاركة. فتحي الديب أحد عتاة المخابرات المصرية وصل إلى بنغازي سرا. أتى مهنئا لإحدى الأسر بمناسبة اجتماعية. لم يكن في زيارته يخطط لعمل ما من مصر وعندما عاد أخبر عبدالناصر بأن الأمور في ليبيا هادئة وطبيعية. ولاحقا فوجئ عبدالناصر بالتغيير واعتقد أن من قام به أحد الضباط الكبار. ثم عرف من قام به بالتفصيل عن طريق إحدى الشخصيات الليبية ذات الصلة بالتنظيم الطليعي السري القومي في مصر.

والفراغ يدب. والدستور لم ينتبه إليه أحد. والوطن يبدو موحشا وعلى موعد مع انفجار عنيف. ينتشر هنا منشور أعده ثلاثة: اثنان بالكتابة وواحد بالطباعة وسحبه على الاستنسل في إحدى الشركات اليونانية في بنغازي حيث كان يعمل. وأشار المنشور إلى فساد الجيش وظروف إعادة تنظيمه. وكان المقصود به لجنة تنظيم الجيش التي يرأسها العقيد عبدالعزيز الشلحي. إضافة إلى ذكر الكثير من المثالب والمساوي وفي النهاية أكد المنشور بأن إبليس أفضل من حكم إدريس. عبارات تمتلئ حقدا وبذاءة في حق الرجل. لم يكن المنشور من تنظيم الضباط الأحرار. وزع على نطاق واسع في البلاد بطريقة عجيبة. وشارك في توزيعه العديد من ضباط الجيش الكبار. صراعات وتنافس ومكابرة فارغة أضرت بالوطن.

وصل المنشور إلى الملك. استمع إليه وأدرك أنه لا رجعة في كل الأحوال. الاستقالة والارتباك في البلاد. ولم تواجه هذه الخطوة بأية خطوات أخرى.. إعلان الطوارئ. رفع الاستعداد الأمني. دعوة البرلمان للانعقاد الطارئ. دعوة رجال الدولة في الخارج للحضور وغير ذلك. كلهم تركوا الملك وحيدا.

لم يحدث أي شئ من هذا. غابت الشمس. وهاجرت الطيور. وسبتمبر اقترب ثم وقع. الذي حبسه الملك والكثيرون في الصدور. انزوى في مستقره الجديد. خذله البعض في المحكمة. ظل صامتا طوال كل الأعوام التي قضاها في مصر. محاولة لاغتياله من النظام عام 1972. فشلت. لم يقابل السباب والشتم بالمثل. ظل صامتا. لم يكتب مذكراته. لم يدل بتصريحات للصحف أو الإذاعات.
وكلهم تركوه وحيدا .