Atwasat

الإبداع والتقليد

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 29 ديسمبر 2019, 01:09 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

تتعرض أعمال الرسم المشهورة للفنانين الكبار إلى عمليات استنساخ متقن من قبل مستنسخين فائقي الحذق وشديدي الصبر والاعتكاف على مهمتهم، بحيث كثيرا ما يعسر التمييز بين اللوحة الأصل واللوحة المقلدة. تباع اللوحة المقلدة (ولا نريد القول "اللوحة المزيفة" لأن صفة التزييف تحمل حكما قيميا لا يستهدفه هذا المقال) بأسعار خيالية. وعندما يكتشف أنها غير أصلية، أو أصيلة، تنعدم قيمتها تقريبا، وتتلاشى أهميتها.

يورد إلين وينر مثالا دالا في هذا السياق:
"كان من المعتقد أن جوهانز فيرمير هو من رسم لوحة ‘المسيح والحواريون في عمواس‘ في القرن السابع عشر، وهي اللوحة التي ظلت معلقة في متحف بويجمانز في مدينة روتردام لمدة سبعة أعوام، وفي العام 1937 نالت اللوحة إعجاب إبراهام بريدوس، الخبير في أعمال فيرمير، والذي وصف اللوحة بأنها ‘تحفة رائعة من أعمال جوهانز فيرمير الخزفية‘ وفي العام 1945 اعترف هان فان مغرين بأنه قام بتزييف هذه اللوحة"* وطالب باعتباره فنانا عظيما على نفس مستوى فيرمير الفني. وبهذا الاعتراف انقلب حال العمل الذي حظي بوافر التبجيل وأصبح أضحوكة.

والسؤال الملح الذي تثيره مثل هذه الواقعة: لماذا لا يعد التقليد المتقن، أو الاستنساخ طبق الأصل، فنا، إذا اكتشف أمر استنساخه، ولا يعتبر مستنسخوه فنانين؟.

بغض النظر عن الجانب الأخلاقي المتعلق بالكذب والاحتيال، وذلك المتعلق بالارتزاق غير المشروع، فالاستنساخ لا يعتبر فنا وإنما حرفة (حتى وإن كانت سرية) ولا يعتبر المستنسخ فنانا لأنه ليس مبدعا، وإنما هو حرفي. وهذا الفارق لا يفقد أهميته حتى لو لم يكتشف أمر الاستنساخ. إنه فارق ذو أهمية مكنوزة.

وكما يرى الناقد الفني كلايف بل، فإن النسخ المقلدة حتى وإن كانت متقنة وطبق الأصل تفتقر دوما إلى الحياة، حيث تنطق اللوحة الأصلية المبدعة بالأفكار والعواطف والأحاسيس المعتملة في عقل الفنان ووجدانه. إنها تنطوي على تجربة إحساس المعاناة ومكابدة الخلق التي خبرها الفنان. وهو الشيء المفتقد بالنسبة إلى الناسخ. بالنسبة إلى الفنان تمثل اللوحة تجربة جمالية تطور ذائقته وإبداعه. في حين تمثل اللوحة المنسوخة بالنسبة إلى الناسخ تجربة حرفية تطور قدرته على النسخ، وهنا نقول التزييف.

*إلين ونر، اختلاف الرؤى الفنية. ترجمة: د. سحر بهجت. مجلة الثقافة العالمية. مايو- يونيو 2019. واعتمدنا في كتابة مقالنا على هذه الدراسة.