اعتمد مجلس وزراء الداخلية الأوروبيين توجيهًا عامًا - دون تصويت - بشأن لوائح العودة الجديدة التي تحل محل التوجيه القديم غير الفعال، حيث سيكون في انتظار طالبي اللجوء الاحتجاز غير المحدود، وإسناد الطلبات إلى جهات خارجية، فما موقع ليبيا من هذه السياسة الجديدة؟.
ويسترسل تقرير فرنسي لمجلة «لوبوان» في تقديم مبررات فشل النهج السابق الذي اعتُبر مفرطًا في حماية حقوق المهاجرين، وغير كافٍ لحماية حقوق الدول في إبعاد الأفراد غير المرغوب فيهم، وهكذا، جرى التخلي عن التوجيه القديم الذي كان يركز على الضمانات الإجرائية، واستُبدل بترسانة من التدابير القسرية التي تهدف إلى تحقيق الكفاءة بأي ثمن.
توسيع نطاق الاحتجاز وتشديد حظر الدخول
وحسب المجلة، يمثل هذا النص، الذي جرى التفاوض عليه خلال ستة أشهر فقط، تحولاً أيديولوجيًا كبيرًا، فبينما كان توجيه عام 2008 يفضل العودة الطوعية والاحتجاز المنظم بدقة، أصبح الآن المهاجرون خاضعين لالتزامات ملزمة، مصحوبة بعقوبات قد تصل إلى السجن وفق لائحة العام 2025.
ومن أبرز ما يميز هذا النص هو إلزام الأفراد الخاضعين لقرار الإعادة بالامتثال لسلسلة من الالتزامات الصارمة «المادة 21»: التعاون مع السلطات، والبقاء متاحين، وتسليم وثائق هويتهم، وتقديم بياناتهم البيومترية، ويترتب على عدم الامتثال لهذه الالتزامات عقوبات متدرجة «المادة 23 مكررة»: تخفيض أو إنهاء الإعانات الاجتماعية، ورفض أي تسوية لاحقة، والأهم من ذلك، وفقًا لموقف المجلس، أحكام بالسجن.
يُحدث هذا البند، الغائب تمامًا عن توجيه العام 2008، تحولًا جذريًا في فلسفة قانون الهجرة الأوروبي حسب «لوبوان»، فقد يجد طالب اللجوء المرفوض طلبه نفسه خلف القضبان إذا رفض التعاون، حتى لو لم يرتكب أي جريمة جنائية سوى إقامته غير النظامية.
- قلق أممي إزاء قيود واشنطن للحد من تدفق طالبي اللجوء
- مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي يوقف قاضية بتهمة «إعاقة» احتجاز مهاجر
وفيما يتعلق بالاحتجاز، تُشدد اللائحة الجديدة القواعد بشكل ملحوظ. وكان توجيه العام 2008 يُحدد مدة الاحتجاز بستة أشهر، قابلة للتمديد استثنائيًا إلى 18 شهرًا، أما نص عام 2025 فيُبقي على هذه المدد في الحالات العادية، ولكنه يُنشئ فئة جديدة: «الأشخاص الذين يُشكلون خطرًا على الأمن» (المادة 16).
وبالنسبة لهذه الحالات، يجوز للدول الأعضاء تجاوز المدد المعتادة دون أن يحدد النظام حداً أقصى، والأكثر إثارة للدهشة: إمكانية إيداعهم في السجن وهو خيار لم يجزه توجيه العام 2008 إلا كملاذ أخير ومع الفصل الإلزامي عن السجناء العاديين.
نهاية الترحال
وأصبح ممنوعًا على المهاجر الذي يُعتبر خطيرًا منعًا باتًا من دخول منطقة «شنغن» كما سيجري تمكين أي دولة عضو من تنفيذ قرار العودة الصادر عن دولة أخرى مباشرةً، دون الحاجة إلى بدء إجراءات جديدة، والرسالة الموجهة للمهاجرين واضحة وهي «لن يكون اللجوء إلى دولة عضو أخرى هربًا من أمر الترحيل مُجديًا بعد الآن، وهذا يُنهي ظاهرة التنقل بين دول أوروبا».
الاستعانة بمصادر خارجية سرية
لكن التوترات بلغت ذروتها فيما يتعلق بإحالة المهاجرين إلى الخارج، إذ يتيح النظام صراحةً للدول الأعضاء إمكان إنشاء «منصات عودة» في دول ثالثة، إما كنقاط عبور قبل العودة إلى بلد المنشأ، أو كوجهة نهائية للمهاجرين المرفوضين الذين لم تستقبلهم دولهم.
وكانت المفاوضات شاقة، فقد وافقت فرنسا على إمكان قيام الدول بذلك بشكل فردي، لكنها رفضت السماح للاتحاد الأوروبي بالدخول في مثل هذه الترتيبات.
وأوضح مصدر فرنسي للمجلة: «الأمر محفوف بالمخاطر من الناحية القانونية، والتعويض المالي سيكون هائلاً إذا ما دخل الاتحاد الأوروبي في الاتفاقية» وقد احتجت عدة دول صغيرة، تفتقر إلى الموارد اللازمة للتفاوض الثنائي، دون جدوى.
وكان النص الأكثر إثارة للجدل يتعلق بنقل طالبي اللجوء «وليس المهاجرون غير النظاميين» إلى دول ثالثة «آمنة»، وهو نموذج رواندا الذي حاولت بريطانيا تطبيقه، وقد قامت الرئاسة الدنماركية، تحت الضغط لإنهاء هذه المسألة قبل نهاية ولايتها، بإزالة معظم الضمانات القانونية، وأصبحت الترتيبات غير ملزمة صراحةً، دون أي تحقق من قبل المفوضية بشأن احترام الحقوق الأساسية.
كما أصدرت الدائرة القانونية للمجلس الفرنسي قرارًا يقضي بعدم قانونية هذا الترتيب، وهو ما دفع المحكمة العليا البريطانية إلى إبطال الحل الرواندي، وتواجه باريس مشكلة دستورية إضافية، إذ يحظر الدستور الفرنسي تفويض النظر في طلبات اللجوء إلى دولة ثالثة من خارج الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد المجلة الفرنسية أن هذا القيد سيخلق «تفاوتًا في الجاذبية»، فإذا قامت الدول الأعضاء الأخرى بإنشاء منصات ردع ولم تتمكن فرنسا من ذلك، فسيتدفق المهاجرون إليها.
البريطانيون، من جانبهم، لم يتخلوا عن حل «على غرار رواندا» وهم يتطلعون إلى غرب البلقان، هذا ما أفصح عنه مصدر في المفوضية قائلا «هذا أمر غير مقبول بتاتًا، علينا التحدث معهم أولًا».
يشار إلى أنه في ظلّ شكوى دول أوروبية من تصاعد تدفّق المهاجرين عبر السواحل الليبية، عقد وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الموقتة عماد الطرابلسي مؤتمرًا صحافيًا خُصِّص لعرض البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين غير الشرعيين.
وقال فيه: «نتعاون مع المجتمع الدولي لترحيل المهاجرين وفق مبدأ تقاسم الأعباء. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي التعاون فنحن مستعدّون، لكنني لا أستطيع تحمّل مسؤولية تكديس ملايين المهاجرين في ليبيا».
وكشف الطرابلسي، في المؤتمر الذي حضره ديبلوماسيون غربيون، أن عدد المهاجرين غير القانونيين في ليبيا بلغ نحو ثلاثة ملايين شخص، وهو رقم صادم يرفع مستوى المخاوف الليبية من احتمال التوطين، بعدما كانت المنظمات الدولية تتحدث عن أقل من مليون مهاجر في البلاد.
وأوضح الوزير: «حين شرعنا في ملف الترحيل، وجدنا أن عدد العائلات كبير جدًا، وعندما نتحدث عن ثلاثة ملايين مهاجر، فإن 70% منهم عائلات، وهذا يُعدّ توطينًا، والشعب الليبي يرفض هذا الأمر».
وأضاف موجهاً رسالة ضمنية إلى أوروبا: «نرفض توقيف المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا، وإذا حصلنا على الدعم، فسنقوم بترحيل مئات الآلاف من المهاجرين إلى دولهم».
تعليقات