Atwasat

خبراء: شبكات الفساد تهدد الاقتصاد الليبي.. والنيابة تواجه منظومات تمتد للخارج

بوابة الوسط - القاهرة الثلاثاء 18 نوفمبر 2025, 04:41 مساء

تحركات قضائية مكثفة تشهدها ليبيا في الآونة الأخيرة، لمكافحة الفساد المستشري بالمصارف والمؤسسات الحكومية، حيث لا تقتصر الحالات المكتشفة على كونها «تجاوزات فردية»، وإنما شبكات فساد متكاملة تهدد الاقتصاد الوطني، وترتبط في بعض الأحيان بأطراف خارجية.

وفي مداخلات بحلقة برنامج «وسط الخبر»، المذاع أمس الإثنين على «قناة الوسط» (Wtv)، قال خبراء إن هذه الإجراءات تُعد استجابة لمتطلبات المجتمع الدولي والمطالب الشعبية، بعد تحقيقات واسعة أجرتها السلطات القضائية، بالتعاون مع الأجهزة الرقابية المحلية والدولية، بهدف استرداد الأموال العامة، وملاحقة المسؤولين المتورطين في تجاوزات مالية وإدارية واسعة النطاق.

مهام هيئة مكافحة الفساد
قال المستشار الإعلامي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، جمال عبد الحكيم، إن اختصاصات الهيئة محددة وفقًا لأحكام القانون رقم 11 لسنة 2014، الذي نص في مادته الثالثة على توليها إعداد المقترحات المتعلقة بتعديل تشريعات مكافحة الفساد، ومراجعة وتقييم التقارير الصادرة عن المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، وتلقي قرارات الدَّمَة المالية، والإسهام في جمع الأسماء المدرجة على قوائم الحراسة وفقًا للقانون رقم 36 لسنة 2012، مضيفا أن الهيئة تنسق مع مصرف ليبيا المركزي والجهات المعنية بشأن استرداد الأموال، بالإضافة إلى القيام بالتحريات والكشف عن جرائم الفساد.

وأوضح عبدالحكيم أن إيقاف عدد من المسؤولين في مصارف مختلفة في الآونة الأخيرة جاء ضمن جهود مكتب النائب العام للحفاظ على المال العام، وهيبة القانون في الدولة الليبية، مشيرًا إلى أن المكتب يتخذ منذ فترة طويلة خطوات جنائية استنادًا إلى تحريات واستدلالات من النيابات المختصة، بما فيها نيابة مكافحة جرائم الفساد والنيابة الاقتصادية ونيابة إنفاذ القانون، إلى جانب التقارير المحالة من أجهزة الضبط القضائي مثل ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد.

اهتمام قضائي بالمصارف
أضاف المستشار الإعلامي أن التوقيت الحالي لهذه الإجراءات لا يعني أنها المرة الأولى لإيقاف مسؤولين مصرفيين، لكنه أوضح أن الحملة الحالية تشمل عددًا من المصارف وليست مقصورة على مصرف واحد، ما يعكس اهتمام السلطات القضائية بالجانب المصرفي والمالي، واتخاذ خطوات أكثر حزمًا مقارنة بالإجراءات السابقة.

وأشار إلى أن التحقيقات الجارية قد تكشف خللا بنيويًا في منظومة النزاهة داخل المصارف، لكنها لا تزال في إطار الشبهات حتى يتخذ القضاء قراره النهائي، لافتا إلى أن متابعة هذه القضايا بدأت بالفعل منذ العام 2022، وهناك التزامات دولية لمكافحة الفساد يجب احترامها، وأن تدخل بعض السلطات السيادية أحيانًا قد يعيق تحقيق هذه المعايير.

وأكد عبد الحكيم أن نتائج التحقيقات ستظهر قريبًا، والمواطن الليبي يمكنه أن يثق في السلطة القضائية، الممثلة في مكتب النائب العام والأجهزة التشريعية والرقابية المختصة، منبها إلى أن الالتزام بالقانون والشفافية هو السبيل لضمان العدالة، واستعادة الثقة بالمنظومة المصرفية.

الفساد عملية تدمير ممهنجة للاقتصاد
من جهته، قال رئيس الهيئة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، الدكتور عبد الباسط القاضي، إن تحرك النائب العام الصديق الصور لم يكن خيارًا بل ضرورة ملحة، لمواجهة قضايا الفساد على مستوى المسؤولين في الدولة، موضحا أن الهيئة، ومقرها جنيف، وجهت في مايو الماضي مذكرة إلى مكتب النائب العام عبر بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة، تحث فيها على فتح التحقيق في ملفات وقضايا فساد تتعلق بالمسؤولين بسبب ما وصفته الهيئة بـ«تغاضي المكتب عن دوره في مكافحة هذه القضايا بشكل جدي أمام المجتمع الدولي».

وتابع القاضي: «الاستجابة للمتطلبات الدولية والمطالب الشعبية تعكس حجم التحديات والفساد الذي يهدد حاضر ومستقبل ليبيا»، مؤكدًا أن جلسة الأمم المتحدة الأخيرة في جنيف حول ليبيا لم تتعلق مباشرة بهذه الملفات، لكنها ناقشت جميع القضايا عبر ممثلي النائب العام ووزارتي الخارجية والداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة».
وأكمل أن الفساد المصرفي لا يقتصر على سرقة الأموال فقط، بل يمثل عملية تدمير ممنهج للاقتصاد الوطني، حيث إن كل دولار يُهرّب هو فرصة ضائعة لتوفير خدمات أساسية مثل الدواء والمدارس والكتب المدرسية.

وأوضح أن الفساد في ليبيا ليس مسألة موظفين منفردين، «بل شبكات متكاملة داخل كل وزارة، من بينها الصحة والزراعة والاقتصاد والكهرباء، حيث تتعاون هذه الشبكات مع رجال أعمال، لضمان السيطرة على موارد الدولة، وتجنب المساءلة القانونية».

أرقام صادمة في تقرير «غلوبال ويتنس»
تحدث القاضي عن تقرير منظمة «غلوبال ويتنس» بشأن حجم الاعتمادات المستندية في ليبيا، إذ يُظهر أن نحو نصف مليار دولار جرى تحويلها خلال 13 أسبوعًا فقط، بما يفوق كمية السلع الداخلة للبلاد، مردفا: «هذه الأموال كانت تمر عبر بنوك تونسية كممر قبل انتقالها إلى دول مثل الإمارات وسنغافورة»، ومشيرًا إلى «وجود أشخاص محددين مطلوبين لدى النائب العام الليبي، لمتابعة هذه الأموال».

ونوّه القاضي إلى أن الإمارات هي الدولة الوحيدة غير المتعاونة في هذا الملف، بينما تعاونت دول أخرى مثل تركيا وتونس ومالطا وإسبانيا والبرتغال، مشيرا إلى أن التحقيقات مستمرة على المستوى الدولي والمحلي، وأن مكتب النائب العام ملتزم بمواصلة معالجة هذه الملفات العميقة والخطيرة، للخروج بالبلاد من الأزمة المالية.

تجاوزات في إصدار الاعتمادات المستندية
فيما يتعلق بدور مصرف ليبيا المركزي وإدارة الرقابة على المصارف، أشار القاضي إلى أن هناك «تجاوزات في إصدار الاعتمادات المستندية، حيث جرى فتح اعتمادات بملايين الدولارات في أوقات غير اعتيادية وبسرعة»، وإلى «تواطؤ بعض الإدارات في التلاعب بسعر الصرف، واستغلال بطاقات الدفع الإلكتروني في المشتريات الحكومية».
وأكمل أن بعض الأرصدة المالية «تصدر بأسماء أقارب موظفين بدلاً من الأسماء الشخصية، ما يشير إلى عمليات ممنهجة للتحايل على القوانين».

واختتم القاضي حديثه بتأكيد أن الأيام المقبلة ستشهد محاكمة الرؤوس الكبرى وإصلاح الهيكل المالي الحقيقي، مشيرًا إلى قضايا محددة، مثل استخدام أموال الدولة بطريقة غير مشروعة من قِبل بعض المسؤولين، التي سيجرى إعادة التحقيق فيها، لضمان إنصاف المتضررين، واستعادة الحقوق المدنية.

الانقسام السياسي والرقابي عامل مساعد
بدوره، أكد المحلل السياسي سيد معتصم فرج الشاعري أن «الفساد في ليبيا مستشرٍ على نطاق واسع»، سواء في المصارف أو الوزارات، وأن الانقسام السياسي والرقابي قد يكون «عاملًا مساعدًا لكنه ليس السبب الأساسي».
وأضاف الشاعري أن النائب العام ومكتب التحقيقات يتابعان العديد من القضايا، تشمل المصارف ووزراء ووكلاء وزراء، مشيرًا إلى أن الأجهزة الرقابية، مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، تمتلك ملفات فساد لم تكتمل التحقيقات فيها حتى تجرى إحالتها إلى مكتب النائب العام.

وقال الشاعري: «المصارف تواجه أزمة سيولة، بينما ملايين الدولارات تُسرق، مما يضع على مكتب النائب العام والأجهزة الرقابية مسؤولية اتخاذ إجراءات صارمة». وأوضح أن القضايا المتعلقة بالفساد في المصارف منفصلة عن تلك المرتبطة بالمنظومة الإدارية، مؤكّدًا أن كل قضية يجب التعامل معها بشكل مستقل، على الرغم من وجود ارتباط جزئي في بعض الحالات القليلة. وأضاف أن بعض العوامل الاجتماعية والقبلية قد تساعد على تفاقم هذه الجرائم في مناطق محددة من ليبيا.

شبكات الفساد تمتد إلى بنوك خارجية ودول
تابع المحلل السياسي: «الفساد يمتد أحيانًا إلى بنوك خارجية، فهناك دول تتعاون ودول أخرى لا تساعد في مكافحة هذه الشبكات»، موضحًا أن مكتب النائب العام يمتلك الأدوات القانونية لملاحقة الفساد حتى خارج البلاد، بما في ذلك إصدار النشرة الحمراء عبر الإنتربول، والاعتماد على الاتفاقيات الدولية، لكنه أشار إلى أن غياب التعاون من بعض الدول يعقد التحقيق ويطيل مسار القضية، إذ ترتبط هذه الدول بشبكات الفساد وتحميها.

وأثنى الشاعري على النائب العام وأعضاء النيابات العامة لجهودهم في مكافحة الفساد داخل ليبيا، مؤكّدًا أن يد القضاء طالت جميع الجهات الحكومية في الجولة الوطنية لمحاربة الفساد، وأن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الاقتصاد الليبي وتخفيف العبء عن المواطن.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»